كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 36)
ثَانِيًا: التَّعَبُّدُ بِالْمُجْمَل قَبْل الْبَيَانِ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ
5 - قَال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْخِطَابِ بِالْمُجْمَل قَبْل الْبَيَانِ لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى الْيَمَنِ وَقَال: ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُول اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدَّ فِي فُقَرَائِهِمْ (1) وَتَعَبُّدُهُمْ بِالْتِزَامِ الزَّكَاةِ قَبْل بَيَانِهَا وَفِي كَيْفِيَّةِ تَعَبُّدِهِمْ بِالْتِزَامِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ مُتَعَبِّدُونَ قَبْل الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ بَعْدَ الْبَيَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ مُتَعَبِّدُونَ قَبْل الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ مُجْمَلاً، وَبَعْدَ الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ مُفَسَّرًا.
وَقَال ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: قَالُوا: إِنَّ الْتِزَامَ الْمُجْمَل قَبْل بَيَانِهِ وَاجِبٌ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَيْفِيَّةِ الْتِزَامِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَذَكَرَهُمَا (2) .
قَال الْغَزَالِيُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (3) يُفْهَمُ مِنْ أَصْل الإِْيجَابِ
__________
(1) حديث: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله. . . . ". أخرجه مسلم (1 / 50) من حديث معاذ.
(2) البحر المحيط للزركشي 3 / 455.
(3) سورة الأنعام / 141.
وَيُعْزَمُ عَلَى أَدَائِهِ وَيُنْتَظَرُ بَيَانُهُ وَقْتَ الْحَصَادِ فَالْمُخَاطَبُ فَهِمَ أَصْل الأَْمْرِ بِالزَّكَاةِ، وَجَهِل قَدْرَ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عِنْدَ الْحَصَادِ، وَعُرِفَ كَذَلِكَ وَقْتُ الإِْيتَاءِ وَأَنَّهُ حَقٌّ فِي الْمَال (1) .
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
6 - وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ فَقَال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إِنَّمَا جَازَ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَل وَإِنْ كَانُوا لاَ يَفْهَمُونَهُ لأَِحَدِ أَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: لِيَكُونَ إِجْمَالُهُ تَوْطِئَةً لِلنَّفْسِ عَلَى قَبُول مَا يَتَعَقَّبُهُ مِنَ الْبَيَانِ، فَإِنَّهُ لَوْ بَدَأَ فِي تَكْلِيفِ الصَّلاَةِ وَبَيَّنَهَا لَجَازَ أَنْ تَنْفِرَ النَّفُوسُ مِنْهَا وَلاَ تَنْفِرَ مِنْ إِجْمَالِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل مِنَ الأَْحْكَامِ جَلِيًّا وَجَعَل مِنْهَا خَفِيًّا لِيَتَفَاضَل النَّاسُ فِي الْعِلْمِ بِهَا وَيُثَابُوا عَلَى الاِسْتِنْبَاطِ لَهَا، فَلِذَلِكَ جَعَل مِنْهَا مُفَسَّرًا جَلِيًّا وَجَعَل مِنْهَا مُجْمَلاً خَفِيًّا، ثُمَّ قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَمِنَ الْمُجْمَل مَا لاَ يَجِبُ بَيَانُهُ عَلَى الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) .
وَقَال الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قُلْنَا: إِنَّمَا يَجُوزُ الْخِطَابُ بِمُجْمَلٍ يُفِيدُ فَائِدَةً مَا لأَِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (3) يُعْرَفُ مِنْهُ وُجُوبُ الإِْيتَاءِ وَوَقْتُهُ وَأَنَّهُ حَقٌّ فِي الْمَال
__________
(1) المستصفى لحجة الإسلام الغزالي 1 / 374 - 376، بتصرف يسير.
(2) البحر المحيط 3 / 455.
(3) سورة الأنعام / 141.
الصفحة 147