كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 36)
مُسْلِمٍ (1) -. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (2) . وَأَمَّا تَوْلِيَةُ الْمَجُوسِيِّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ فَاخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ ف 22) .
قَضَاءُ الْقَاضِي الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْمَجُوسِ
18 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ الْقَاضِي الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْمَجُوسِ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا وَكَانُوا أَهْل ذِمَّةٍ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَحَاكَمَ الْمَجُوسُ وَهُمْ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ إِلَى الإِْمَامِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الذِّمَّةِ سَوَاءٌ فِي عُقُودِ الْمُعَامَلاَتِ وَالتِّجَارَاتِ وَالْحُدُودِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ لاَ يُرْجَمُونَ لأَِنَّهُمْ غَيْرُ مُحْصَنِينَ.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي مُنَاكَحَاتِهِمْ، فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: هُمْ مُقَرُّونَ عَلَى أَحْكَامِهِمْ لاَ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ فِيهَا، إِلاَّ أَنْ يَرْضَوْا بِأَحْكَامِنَا. وَقَال مُحَمَّدٌ: إِذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا حُمِلاَ جَمِيعًا عَلَى أَحْكَامِنَا، وَإِنْ أَبَى الآْخَرُ إِلاَّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ خَاصَّةً. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يُحْمَلُونَ عَلَى أَحْكَامِنَا وَإِنْ أَبَوْا إِلاَّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ نُجِيزُهُ إِذَا تَرَاضَوْا بِهَا (3) .
__________
(1) البحر الرائق 6 / 260، والشرح الكبير 4 / 129، 165، ومغني المحتاج 4 / 375، وكشاف القناع 6 / 295.
(2) سورة النساء / 141.
(3) تفسير الجصاص 2 / 434 - 436، والقرطبي 6 / 186.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ خُيِّرَ الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَبِحُكْمِ الإِْسْلاَمِ فِي الْمَظَالِمِ مِنَ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي وَجَحْدِ الْحُقُوقِ.
وَإِنْ تَخَاصَمُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ رُدُّوا إِلَى أَهْل دِينِهِمْ إِلاَّ أَنْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ الإِْسْلاَمِ، وَإِنْ كَانَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا مَجُوسِيٌّ ذِمِّيٌّ أَوْ مُعَاهَدٌ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ وَمُسْلِمٌ يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِشَرْعِنَا قَطْعًا، طَالِبًا كَانَ الْمُسْلِمُ أَوْ مَطْلُوبًا، لأَِنَّهُ يَجِبُ رَفْعُ الظُّلْمِ عَنِ الْمُسْلِمِ، وَالْمُسْلِمُ لاَ يُمْكِنُ رَفْعُهُ إِلَى حَاكِمِ أَهْل الذِّمَّةِ وَلاَ تَرْكُهُمَا مُتَنَازِعَيْنِ، فَرَدَدْنَا مَنْ مَعَ الْمُسْلِمِ إِلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى عَلَيْهِ.
وَلَوْ تَرَافَعَ مَجُوسِيَّانِ ذِمِّيَّانِ وَلَمْ نَشْتَرِطْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ لَهُمَا الْتِزَامَ أَحْكَامِنَا وَجَبَ عَلَيْنَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا فِي الأَْظْهَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ} (2) . وَلأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ مَنْعُ الظُّلْمِ عَنْ أَهْل الذِّمَّةِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ وَالثَّانِي: وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ لاَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْحُكْمُ بَل يَتَخَيَّرُ
__________
(1) القوانين الفقهية 196، والجامع لأحكام القرآن 6 / 184.
(2) سورة المائدة / 49.
الصفحة 153