كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 36)
الْمَحْمَدَةَ مِنْ غَيْرِ فِعْل حَسَنَةٍ تَقْتَضِيهَا (1) فَقَال تَعَالَى: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} (2) .
وَقَال الْغَزَالِيُّ: وَالْمَدْحُ تَدْخُلُهُ سِتُّ آفَاتٍ: أَرْبَعٌ فِي الْمَادِحِ، وَاثْنَتَانِ فِي الْمَمْدُوحِ.
فَأَمَّا الْمَادِحُ فَالأُْولَى: أَنَّهُ قَدْ يُفْرِطُ فَيَنْتَهِي بِهِ إِلَى الْكَذِبِ، قَال خَالِدُ بْنُ مَعْدَانٍ: مَنْ مَدَحَ إِمَامًا أَوْ أَحَدًا بِمَا لَيْسَ فِيهِ عَلَى رُءُوسِ الأَْشْهَادِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَعَثَّرُ بِلِسَانِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ، فَإِنَّهُ بِالْمَدْحِ مُظْهِرٌ لِلْحُبِّ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ مُضْمِرًا لَهُ وَلاَ مُعْتَقِدًا لِجَمِيعِ مَا يَقُولُهُ، فَيَصِيرُ بِهِ مُرَائِيًا مُنَافِقًا.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ قَدْ يَقُول مَا لاَ يَتَحَقَّقُهُ وَلاَ سَبِيل لَهُ إِلَى الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ.
رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً مَدَحَ رَجُلاً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ثُمَّ قَال: إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُل: أَحَسُبَ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا (3) .
__________
(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 277.
(2) سورة آل عمران / 188.
(3) حديث: " ويحك قطعت عنق صاحبك. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 476) ، ومسلم (4 / 2296) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه واللفظ للبخاري.
وَهَذِهِ الآْفَةُ تَتَطَرَّقُ إِلَى الْمَدْحِ بِالأَْوْصَافِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالأَْدِلَّةِ كَقَوْلِهِ: إِنَّهُ مُتَّقٍ وَوَرِعٌ وَزَاهِدٌ وَخَيِّرٌ وَمَا يُجْرَى مُجْرَاهُ، فَأَمَّا إِذَا قَال: رَأَيْتُهُ يُصَلِّي بِاللَّيْل وَيَتَصَدَّقُ، وَيَحُجُّ فَهَذِهِ أُمُورٌ مُسْتَيْقَنَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ عَدْلٌ رِضًا، فَإِنَّ ذَلِكَ خَفِيٌّ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ الْقَوْل فِيهِ إِلاَّ بَعْدَ خَبِرَةٍ بَاطِنَةٍ، سَمِعَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ فَقَال: أَسَافَرْتَ مَعَهُ؟ قَال: لاَ، قَال: أَخَالَطْتُهُ فِي الْمُبَايَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ؟ قَال: لاَ، قَال: فَأَنْتَ جَارُهُ صَبَاحَهُ وَمَسَاءَهُ؟ قَال: لاَ، قَال: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لاَ أَرَاكَ تَعْرِفُهُ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ قَدْ يَفْرَحُ الْمَمْدُوحُ وَهُوَ ظَالِمٌ أَوْ فَاسِقٌ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل يَغْضَبُ إِذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ (1) .
وَقَال الْحَسَنُ: مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِطُول الْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ.
وَالظَّالِمُ الْفَاسِقُ يَنْبَغِي أَنْ يُذَمَّ لِيَغْتَمَّ، وَلاَ يُمْدَحَ لِيَفْرَحَ.
وَأَمَّا الْمَمْدُوحُ فَيَضُرُّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
__________
(1) حديث: " إن الله عز وجل يغضب إذا مدح الفاسق ". أخرجه البيهقي في شعب الإِيمان (4 / 230) من حديث أنس رضي الله عنه، وقال العراقي: (إتحاف السادة المتقين 5 / 515) . إسناده ضعيف.
الصفحة 277