كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 36)
وَوَادَّ مَنْ حَادَّ اللَّهَ، مَعَ مَا فِي مَدْحِهِ مِنِ اسْتِحْسَانِ فِسْقِهِ وَإِغْرَائِهِ عَلَى إِدَامَتِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَدْحَ لاَ يُحْدِثُ فِي الْمَمْدُوحِ كِبْرًا أَوْ عُجْبًا أَوْ غُرُورًا، فَإِنَّ لِلْوَسَائِل حُكْمَ الْمَقَاصِدِ، وَمَا يُفْضِي إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ.
وَأَمَّا إِذَا أَحْدَثَ فِي الْمَمْدُوحِ كَمَالاً وَزِيَادَةَ مُجَاهَدَةٍ وَسَعَى طَاعَةً فَلاَ مَنْعَ بَل لَهُ اسْتِحْبَابٌ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَدْحُ لِغَرَضٍ حَرَامٍ، أَوْ مُفْضِيًا إِلَى فَسَادٍ، مِثْل مَدْحِ الأُْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ لِيَتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَال الْحَرَامِ الْمُجَازَى بِهِ مِنْهُمْ أَوِ التَّسَلُّطِ عَلَى النَّاسِ وَظُلْمِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ (1) .
وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لاَ يُكْثِرُ مِنَ الْمَدْحِ الْمُبَاحِ، وَلاَ يَتَقَاعَدُ عَنِ الْيَسِيرِ مِنْهُ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ، تَرْغِيبًا لِلْمَمْدُوحِ فِي الإِْكْثَارِ مِمَّا مُدِحَ بِهِ، أَوْ تَذْكِيرًا لَهُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لِيَشْكُرَهَا وَلِيَذْكُرَهَا بِشَرْطِ الأَْمِنِ عَلَى الْمَمْدُوحِ مِنَ الْفِتْنَةِ (2) .
وَقَدْ عَقَدَ النَّوَوِيُّ بَابًا فِي كِتَابِهِ (رِيَاضِ الصَّالِحِينَ) بِعِنْوَانِ (كَرَاهَةُ الْمَدْحِ فِي الْوَجْهِ لِمَنْ خِيفَ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ مِنْ إِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ، وَجَوَازُهُ - أَيْ بِلاَ كَرَاهَةٍ - لِمَنْ أُمِنَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ) أَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيثَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمَدْحِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ
__________
(1) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية 4 / 19 - 25.
(2) قواعد الأحكام 2 / 177.
أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ فَقَال: أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُل (1) وَمَا رَوَاهُ هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ عَنِ الْمِقْدَادِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً جَعَل يَمْدَحُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَمَدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَجَعَل يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَال لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ، فَقَال إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ (2) وَوَرَدَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لِعُمَرَ: مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ (3) ثُمَّ قَال النَّوَوِيُّ: قَال الْعُلَمَاءُ: وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الأَْحَادِيثِ - أَيْ فِي النَّهْيِ وَالإِْبَاحَةِ - أَنْ يُقَال: إِنْ كَانَ الْمَمْدُوحُ عِنْدَهُ كَمَال إِيمَانٍ وَيَقِينٌ وَرِيَاضَةُ نَفْسٍ وَمَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِحَيْثُ لاَ يُفْتَتَنُ وَلاَ يَغْتَرُّ بِذَلِكَ وَلاَ تَلْعَبُ بِهِ نَفْسُهُ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلاَ مَكْرُوهٍ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ كُرِهَ مَدْحُهُ فِي وَجْهِهِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيل تَنْزِل الأَْحَادِيثُ الْمُخْتَلِفَةُ (4) .
__________
(1) حديث: " أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل ". أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 476) ، ومسلم (4 / 2297) من حديث أبي موسى الأشعري.
(2) حديث: " إذا رأيتم المداحين. . . ". أخرجه مسلم (4 / 2297) .
(3) حديث: " ما لقيك الشيطان سالكاً ". أخرجه البخاري (الفتح 7 / 41) .
(4) دليل الفالحين 4 / 584 - 588.
الصفحة 279