كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 37)

الأَْجِيرِ، وَالتَّاجِرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عَدَمَ جِوَازِ أَمَانِ الأَْسِيرِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: مَحَل الْخِلاَفِ فِي الأَْسِيرِ الْمُقَيَّدِ وَالْمَحْبُوسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا؛ لأَِنَّهُ مَقْهُورٌ بِأَيْدِيهِمْ لاَ يَعْرِفُ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ، وَلأَِنَّ وَضْعَ الأَْمَانِ أَنْ يَأْمَنَ الْمُؤَمَّنُ، وَلَيْسَ الأَْسِيرُ آمِنًا، وَأَمَّا أَسِيرُ الدَّارِ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ بِدَارِ الْكُفْرِ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَيَصِحُّ أَمَانُهُ (1) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَمَانُ مَنْ كَانَ مَقْهُورًا عِنْدَ الْكُفَّارِ كَالأَْسِيرِ وَالتَّاجِرِ فِيهِمْ، وَمَنْ أَسْلَمَ عِنْدَهُمْ وَهُوَ فِيهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ مَقْهُورُونَ عِنْدَهُمْ، فَلاَ يَكُونُونَ مِنْ أَهْل الْبَيَانِ، وَلاَ يَخَافُهُمُ الْكُفَّارُ، وَالأَْمَانُ يَخْتَصُّ بِمَحَل الْخَوْفِ، وَلأَِنَّهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ، فَيُعْرَى الأَْمَانُ عَنِ الْمَصْلَحَةِ، وَلأَِنَّهُ لَوِ انْفَتَحَ هَذَا الْبَابُ لاَنْسَدَّ بَابُ الْفَتْحِ؛ لأَِنَّهُمْ كُلَّمَا اشْتَدَّ الأَْمْرُ عَلَيْهِمْ، لاَ يُخَلُّونَ عَنْ أَسِيرٍ أَوْ تَاجِرٍ فَيَتَخَلَّصُونَ بِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: نُقِل فِي الْبَحْرِ عَنِ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَمَانُ الأَْسِيرِ فِي حَقِّ بَاقِي الْمُسْلِمِينَ حَتَّى كَانَ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، أَمَّا
__________
(1) روضة الطالبين 10 / 281، والقليوبي 4 / 226، ومغني المحتاج 4 / 237، والقوانين الفقهية 153، والمغني 8 / 397.
فِي حَقِّهِ هُوَ فَصَحِيحٌ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّاجِرَ الْمُسْتَأْمِنَ كَذَلِكَ (1) .

ح - أَمَانُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَمَانِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:

أَوْلاً - الْعَبْدُ:
17 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَمَانُ الْعَبْدِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ (2) ، وَفَسَّرَهُ مُحَمَّدٌ بِالْعَبْدِ، وَلِقَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ " وَفِي رِوَايَةٍ " يَجُوزُ أَمَانُهُ "، وَلأَِنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ أَمَانُهُ كَالْحُرِّ.
وَزَادَ النَّوَوِيُّ: يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ كَافِرًا.
وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَمَانُ الْعَبْدِ ابْتِدَاءً وَإِذَا أُمِّنَ فَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ بَيْنَ إِمْضَائِهِ وَرَدِّهِ (3) .
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 107، وفتح القدير 4 / 300، وشرح السير الكبير 1 / 266 ط. مطبعة مصر، وابن عابدين 3 / 228، والاختيار 4 / 123.
(2) حديث: " ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ". سبق تخريجه في التعليق على فقرة (4) .
(3) بدائع الصنائع 7 / 106، 107، وفتح القدير 4 / 299، 300، 301، وابن عابدين 3 / 266، 227، والشرح الصغير 2 / 287، وبداية المجتهد 1 / 393، والمغني 8 / 397، وكشاف القناع 3 / 104، وروضة الطالبين 10 / 279.

الصفحة 174