كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 37)

أَمَّا أَنَّ الرِّحَال لاَ تُشَدُّ لِغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ فَلأَِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا، إِذْ هِيَ مُتَمَاثِلَةٌ، وَلاَ بَلَدَ إِلاَّ وَفِيهِ مَسْجِدٌ وَلاَ مَعْنَى لِلرِّحْلَةِ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَعَلَى هَذَا وَكَمَا قَال الْعُلَمَاءُ لَوْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ لأَِدَاءِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِبَعْضِهَا فَضْلٌ عَلَى بَعْضٍ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لأَِجْل ذَلِكَ مِنْهَا مَا عَيَّنَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (1) .
كَمَا تَفْضُل هَذِهِ الْمَسَاجِدُ الثَّلاَثَةُ بِزِيَادَةِ ثَوَابِ الصَّلاَةِ فِيهَا عَنْهُ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَتَفَاضَل فِي هَذَا الثَّوَابِ فِيمَا بَيْنَهَا.
فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: فَضْل الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلاَةٍ وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلاَةٍ (2) .
قَال الزَّرْكَشِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ فِي الْمَسْجِدَيْنِ لاَ تَخْتَصُّ بِالْفَرِيضَةِ، بَل تَعُمُّ النَّفْل وَالْفَرْضَ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ
__________
(1) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 104 - 105، 388 - 391.
(2) حديث: " فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 7) وعزاه للطبراني في الكبير ثم قال: " رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام، وهو حديث حسن ".
الْمَذْهَبُ، قُلْتُ: وَهُوَ لاَزِمٌ لِلأَْصْحَابِ مِنَ اسْتِثْنَائِهِمُ النَّفْل بِمَكَّةَ مِنَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ لأَِجْل زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ.
وَقَال الطّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَرْحِ الآْثَارِ: وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْفَرْضِ وَأَنَّ فِعْل النَّوَافِل فِي الْبَيْتِ أَفَضْل مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَال ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيِّ: هَذَا التَّضْعِيفُ فِي الصَّلَوَاتِ يَحْتَمِل أَنْ يَعُمَّ الْفَرْضَ وَالنَّفَل، وَهُوَ ظَاهِرُ الأَْخْبَارِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْفَرْضُ دُونَ النَّفْل، لأَِنَّ النَّفْل دُونَهُ (1) .
وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ فِي الأَْرْضِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهِ، قَال تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} ، وَلِذَلِكَ كَانَ أَفَضْل الْمَسَاجِدِ، فَهُوَ قِبْلَةُ الْمُصَلِّينَ وَكَعْبَةُ الزَّائِرِينَ وَفِيهِ الأَْمْنُ وَالأَْمَانُ (2) .
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَْرْضِ أَوَّل؟ قَال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ
__________
(1) إعلام الساجد 124 - 125.
(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4 / 138، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 29 - 30.

الصفحة 197