كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 37)

الْقُرْآنِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقَال: لاَ بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ} الآْيَةَ، وَلِمَا رُوِيَ مِنْ فِعْل عُثْمَانَ ذَلِكَ بِمَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ.
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي تَحْلِيَةِ الْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَعْلِيقِ قَنَادِيلِهَا وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ السَّلَفِ،
وَالثَّانِي: الْجِوَازُ كَمَا يَجُوزُ سَتْرُ الْكَعْبَةِ بِالدِّيبَاجِ، وَيَحِل الْحَرِيرُ لإِِلْبَاسِ الْكَعْبَةِ، وَأَمَّا بَاقِي الْمَسَاجِدِ فَقَال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لاَ بَأْسَ بِسَتْرِ الْمَسْجِدِ بِالثِّيَابِ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ، وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَيَحْتَمِل أَنْ يَلْحَقَ بِالتَّزْيِينِ بِقَنَادِيل الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ قَوْلاً وَاحِدًا لأَِنَّ أَمْرَهُ أَهْوَنُ، وَلَمْ تَزَل الْكَعْبَةُ تُسْتَرُ بِالْحَرِيرِ فَلاَ يَبْعُدُ إِلْحَاقُ غَيْرِهَا بِهَا. قُلْتُ: وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ: لاَ فَرْقَ فِي الإِْبَاحَةِ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا، لأَِنَّ الْحَرِيرَ إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَى الرِّجَال لاَ عَلَى النِّسَاءِ فَكَيْفَ الْجَمَادَاتُ وَالْمَسَاجِدُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي فَتَاوَى قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي بَكْرٍ الشَّامِيِّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ سُتُورًا مِنْ حَرِيرٍ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلاَ يَصِحُّ وَقْفُهَا عَلَيْهِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ.
وَيُسْتَحَبُّ فَرْشُ الْمَسَاجِدِ وَتَعْلِيقُ الْقَنَادِيل
وَالْمَصَابِيحِ (1) ، وَيُقَال: أَوَّل مَنْ فَعَل ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، وَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اجْتِمَاعَ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الصَّلاَةِ وَالْقَنَادِيل تُزْهِرُ وَكِتَابُ اللَّهِ يُتْلَى: قَال: نَوَّرْتَ مَسَاجِدَنَا، نَوَّرَ اللَّهُ قَبْرَكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ، وَرُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلاَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَال: أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلاَةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّل إِلَيْهِ؟ قَال: فَتُهْدِي لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ، فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ (2) .
وَيَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فَقَدْ قَالُوا: تَحْرُمُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ إِنْ تَحَصَّل مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، وَأَوَّل مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ فِي الإِْسْلاَمِ وَزَخْرَفَهَا وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَخْرَفَ الْمَسْجِدُ بِنَقْشٍ وَصَبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّي عَنْ صَلاَتِهِ غَالِبًا، وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ مِنْ مَال الْوَقْفِ حَرُمَ فِعْلُهُ، وَوَجَبَ ضَمَانُ مَال الْوَقْفِ الَّذِي
__________
(1) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص340.
(2) حديث: " أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 451) ، وصححه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 250 - 251) .

الصفحة 205