كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 37)

دَفْعًا لِحَرَجِ ضَيَاعِ الْحُقُوقِ.
وَمِنْهَا قَبُول شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ (1)

الْمَشَاقُّ الْمُوجِبَةُ لِلتَّخْفِيفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ
قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْمَشَاقُّ ضَرْبَانِ:
12 - أَحَدُهُمَا: مَشَقَّةٌ لاَ تَنْفَكُّ الْعِبَادَةُ عَنْهَا كَمَشَقَّةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَكَمَشَقَّةِ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَلاَ سِيَّمَا فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، وَكَمَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَطُول النَّهَارِ، وَكَمَشَقَّةِ السَّفَرِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ الَّتِي لاَ انْفِكَاكَ عَنْهَا غَالِبًا، وَكَمَشَقَّةِ الاِجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالرِّحْلَةِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْمَشَقَّةُ فِي رَجْمِ الزُّنَاةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْجُنَاةِ وَلاَ سِيَّمَا فِي حَقِّ الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ وَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً عَظِيمَةً عَلَى مُقِيمِ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِمَا يَجِدُهُ مِنَ الرِّقَّةِ وَالْمَرْحَمَةِ بِهَا لِلسُّرَّاقِ وَالزُّنَاةِ وَالْجُنَاةِ مِنَ الأَْجَانِبِ وَالأَْقَارِبِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ (2) ، وَلِمِثْل هَذَا قَال تَعَالَى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} (3) ، وَقَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ
__________
(1) غمز عيون البصائر 1 / 271، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 77.
(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 84، والأشباه للسيوطي ص 83، ومجلة الأحكام العدلية ص 18، وشرح مجلة الأحكام للأتاسي 1 / 51 وغمز عيون البصائر 1 / 273.
(3) سورة النور / 2.
يَدَهَا (1) وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِتَحَمُّل هَذِهِ الْمَشَاقِّ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَصَفَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (2) فَهَذِهِ الْمَشَاقُّ كُلُّهَا لاَ أَثَرَ لَهَا فِي إِسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ (3) .
13 - الضَّرْبُ الثَّانِي: مَشَقَّةٌ تَنْفَكُّ عَنْهَا الْعِبَادَاتُ غَالِبًا وَهِيَ أَنْوَاعٌ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ فَادِحَةٌ كَمَشَقَّةِ الْخَوْفِ عَلَى النَّفُوسِ وَالأَْطْرَافِ وَمَنَافِعِ الأَْطْرَافِ، فَهَذِهِ مَشَقَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّرْخِيصِ لأَِنَّ حِفْظَ الْمُهَجِ وَالأَْطْرَافِ لإِِقَامَةِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلْفَوَاتِ فِي عِبَادَةٍ أَوْ عِبَادَاتٍ ثُمَّ تَفُوتُ أَمْثَالُهَا (4) .
النَّوْعُ الثَّانِي: مَشَقَّةٌ خَفِيفَةٌ كَأَدْنَى وَجَعٍ فِي إِصْبَعٍ أَوْ أَدْنَى صُدَاعٍ أَوْ سُوءِ مِزَاجٍ خَفِيفٍ، فَهَذَا لاَ أَثَرَ لَهُ وَلاَ الْتِفَاتَ إِلَيْهِ لأَِنَّ تَحْصِيل مَصَالِحِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لاَ أَثَرَ لَهَا (5) .
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَشَاقُّ وَاقِعَةٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَشَقَّتَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْخِفَّةِ وَالشِّدَّةِ فَمَا دَنَا
__________
(1) حديث: " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ". أخرجه البخاري (الفتح 6 / 513) ، ومسلم (3 / 1315) من حديث عائشة.
(2) سورة التوبة / 128.
(3) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2 / 7.
(4) قواعد الأحكام 2 / 7 - 8.
(5) قواعد الأحكام 2 / 7 - 8.

الصفحة 325