كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 37)

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشَهُّدَ وَكَفِي بَيْنَ كَفَّيْهِ (1) وَبِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الأَْخْذِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: صَافَحَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُبَارَكِ بِيَدَيْهِ (2) ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ قَال: مَرَرْنَا بِالرَّبَذَةِ فَقِيل لَنَا: هَاهُنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ فَقَال: بَايَعْتُ بِهَاتَيْنِ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ الْتَقَيَا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَل أَنْ يَحْضُرَ دُعَاءَهُمَا وَلاَ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى يَغْفِرَ لَهُمَا (4) ، قَالُوا: وَرَدَتِ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلاَ يَصْدُقُ إِلاَّ عَلَى الْمُصَافَحَةِ الَّتِي تَكُونُ بِكِلْتَا الْيَدَيْنِ لاَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ (5) .
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْمُصَافَحَةِ
__________
(1) حديث: " علمني النبي صلى الله عليه وسلم التشهد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 56) ، ومسلم (1 / 302) .
(2) فتح الباري 11 / 47.
(3) الأثر: " مررنا بالربذة فقيل لنا: ههنا سلمة بن الأكوع. . . ". أخرجه البخاري في الأدب المفرد (253) .
(4) حديث: " ما من مسلمين التقيا فأخذ. . . ". أخرجه أحمد (3 / 142) وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد (8 / 36) .
(5) حاشية ابن عابدين 9 / 548، والفتاوى الهندية 5 / 369، وعمدة القاري 11 / 253، وفتح الباري 11 / 56، وعون المعبود 14 / 118.
الْمَشْرُوعَةِ لاَ تَتَعَدَّى الْمَعْنَى الَّذِي تَدُل عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ، وَيَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ إِلْصَاقِ صَفْحِ الْكَفِّ بِالْكَفِّ.
وَاسْتَدَل لِهَذَا الرَّأْيِ بِقَوْل عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَرَوْنَ كَفِّي هَذِهِ، فَأَشْهَدُ أَنَّنِي وَضَعْتُهَا عَلَى كَفِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (1) .

وَيُسْتَحَبُّ فِي الْمُصَافَحَةِ أَنْ تَكُونَ إِثْرَ التَّلاَقِي مُبَاشَرَةً مِنْ غَيْرِ تَوَانٍ وَلاَ تَرَاخٍ وَأَنْ لاَ يَفْصِل بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللِّقَاءِ سِوَى الْبَدْءُ بِالسَّلاَمِ، لِقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْل أَنْ يَفْتَرِقَا (2) ، حَيْثُ عَطَفَ الْمُصَافَحَةَ عَلَى التَّلاَقِي بِالْفَاءِ، وَهِيَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَالتَّعْقِيبَ وَالْفَوْرِيَّةَ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمُسْتَحَبَّ لِلْمُصَافَحَةِ هُوَ أَوَّل اللِّقَاءِ (3) ، وَأَمَّا أَنَّ الْبَدْءَ بِالسَّلاَمِ يَسْبِقُهَا (4) فَقَدْ دَل عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول:
__________
(1) حديث: " ترون كفي هذه فأشهد. . . ". أخرجه أحمد (4 / 189) .
(2) حديث: " ما من مسلمين يلتقيان. . . ". أخرجه أبو داود (5 / 388) ، والترمذي (5 / 74) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ".
(3) دليل الفالحين 3 / 366، والفتوحات الربانية 5 / 394، وعون المعبود 14 / 120.
(4) المرقاة 8 / 458، 461، وحاشية ابن عابدين 9 / 548.

الصفحة 364