كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 38)

يَتَفَكَّرُ فِي هَذَا الأَْحْيَاءُ، وَأَمَّا الأَْمْوَاتُ فَقَدْ أَمَاتُوا أَنَفْسَهُمْ بِحُبِّ الدُّنْيَا. (1)
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُحْدِثُ فِي الأَْرْضِ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْمِيَاهِ وَالْهَوَاءِ وَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَسَاكِنِ، قَال تَعَالَى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . (2)
قَال مُجَاهِدٌ: إِذَا وَلِيَ الظَّالِمُ سَعَى بِالظُّلْمِ وَالْفَسَادِ فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَطْرَ فَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ، ثُمَّ قَرَأَ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ثُمَّ قَال: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بَحْرُكُمْ هَذَا وَلَكِنْ كُل قَرْيَةٍ عَلَى مَاءٍ جَارٍ فَهُوَ بَحْرٌ. (3)

اسْتِدْرَاجُ أَهْل الْمَعَاصِي بِالنِّعَمِ
6 - قَال الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ وَإِِنْ نَال أَهْل الْمَعَاصِي لَذَّةً مِنْ عَيْشٍ أَوْ أَدْرَكُوا أَمُنْيَةً مِنْ دُنْيَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً بَل قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا وَنِقْمَةً (4) ، وَوَرَدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُول
__________
(1) رسالة المسترشدين للمحاسبي ص 82.
(2) سورة الروم / 41.
(3) الداء والدواء ص 91.
(4) أدب الدنيا والدين للماوردي ص 151 - 152 ط. دار ابن كثير - بيروت.
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال (1) : إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلاَ رَسُول اللَّهِ قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُل شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (2) .

أَحْوَال النَّاسِ فِي فِعْل الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي
7 - قَال الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ يَخْلُو حَال النَّاسِ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ مِنْ فِعْل الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
فَمِنْهُمْ: مَنْ يَسْتَجِيبُ إِلَى فِعْل الطَّاعَاتِ وَيَكُفُّ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَهَذَا أَكْمَل أَحْوَال أَهْل الدِّينِ، وَأَفْضَل صِفَاتِ الْمُتَّقِينَ، فَهَذَا يَسْتَحِقُّ جَزَاءَ الْعَامِلِينَ وَثَوَابَ الْمُطِيعِينَ. وَمِنْهُمْ: مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْل الطَّاعَاتِ وَيَقْدَمُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَهِيَ أَخْبَثُ أَحْوَال الْمُكَلَّفِينَ، وَشَرُّ صِفَاتِ الْمُتَعَبِّدِينَ، فَهَذَا يَسْتَحِقُّ عَذَابَ اللاَّهِي عَنْ فِعْل مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَعَذَابَ الْمُجْتَرِئِ عَلَى مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِيهِ، وَقَدْ قَال ابْنُ شُبْرُمَةَ: عَجِبْتُ لَمِنْ
__________
(1) حديث: " إذا رأيت الله يعطي العبد على معاصيه. . . " أخرجه أحمد (4 / 145) .
(2) سورة الأنعام / 44.

الصفحة 211