كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)

وَقَال {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (1) .
فَإِجَابَتُهُ لِلدُّعَاءِ فِي كُل وَقْتٍ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ فِيهِ الْعَبْدُ بِالدُّعَاءِ وَلِذَا كَانَ تَخْصِيصُ مَوْطِنٍ مُعَيَّنٍ بِالإِْجَابَةِ دَالًّا عَلَى تَأَكُّدِهَا فِيهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحَصْرَ وَنَفْيَ الإِْجَابَةِ عَمَّا عَدَاهُ.

أَنْوَاعُ مَوَاطِنِ الإِْجَابَةِ:
4 - مَوَاطِنُ الإِْجَابَةِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
أ - أَوْقَاتٌ شَرِيفَةٌ اخْتَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ جَعَلَهَا مَوَاسِمَ لِهَذِهِ الأُْمَّةِ تُحَصِّل بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ كَمَا قَال تَعَالَى فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} (2) .
ب - أَمَاكِنُ شَرِيفَةٌ خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَهِيَ مَوَاطِنُ مَحْدُودَةٌ يَكُونُ فِيهَا الدَّاعِي مُتَلَبِّسًا بِعِبَادَةٍ أُخْرَى.
ج - أَحْوَالٌ مُعَيَّنَةٌ يُرْجَى فِيهَا قَبُول الدُّعَاءِ
مِنْهَا الدُّعَاءُ عِنْدَ زَحْفِ الصُّفُوفِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ نُزُول الْغَيْثِ وَعِنْدَ
__________
(1) سورة البقرة / 186.
(2) سورة الحج / 28.
إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ (1) .
وَالدُّعَاءُ بِعَرَفَةَ مِثَالٌ لِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ شَرَفُ الزَّمَانِ وَشَرَفُ الْمَكَانِ وَشَرَفُ الْحَال.
قَال الْغَزَالِيُّ: وَبِالْحَقِيقَةِ يَرْجِعُ شَرَفُ الأَْوْقَاتِ إِلَى شَرَفِ الأَْحْوَال إِذْ وَقْتُ السَّحَرِ وَقْتُ صَفَاءِ الْقَلْبِ وَإِخْلاَصِهِ وَفَرَاغِهِ مِنَ الْمُشَوِّشَاتِ وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقْتُ اجْتِمَاعِ الْهِمَمِ وَتَعَاوُنِ الْقُلُوبِ عَلَى اسْتِدْرَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل.
قَال: فَهَذَا أَحَدُ أَسْبَابِ شَرَفِ الأَْوْقَاتِ سِوَى مَا فِيهَا مِنْ أَسْرَارٍ لاَ يَطَّلِعُ الْبَشَرُ عَلَيْهَا (2) .
وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ تَفْصِيلٌ بَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلاً - الْمَوَاطِنُ الزَّمَانِيَّةُ:
أ - ثُلُثُ اللَّيْل الآْخِرِ:
5 - ثُلُثُ اللَّيْل الآْخِرِ مِنْ مَوَاطِنِ الإِْجَابَةِ وَدَلِيل ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: يَنْزِل رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُل لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل الآْخِرِ يَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ (3)
__________
(1) الإحياء 1 / 559، ط دار الشعب.
(2) الإحياء 1 / 550.
(3) حديث: " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 29) ، ومسلم (1 / 521) ، والرواية الأخرى أخرجها مسلم (1 / 522) .

الصفحة 221