كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)
قَال الْبَاجِيُّ: اقْتَضَى ذَلِكَ تَعَلُّقَ هَذَا الْحُكْمِ بِقَتْل الْخَطَأِ، إِلاَّ أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الأَْمْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلِمْنَاهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ دِيَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَأَنَّهَا كَسَائِرِ مَال الْمَيِّتِ، يَرِثُ مِنْهَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالإِْخْوَةُ لِلأُْمِّ وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ (1) .
وَعَلَّقَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَثَرِ عُمَرَ وَقَضَائِهِ بِقَوْلِهِ: وَلاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَ أَحَدٍ فِي أَنْ يَرِثَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مَنْ وَرِثَ مَا سِوَاهَا مِنْ مَال الْمَيِّتِ، لأَِنَّهَا تُمْلَكُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَبِهَذَا نَأْخُذُ، فَنُوَرِّثُ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مَنْ وَرِثَ مَا سِوَاهَا مِنْ مَال الْمَيِّتِ، وَإِذَا مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَقَدْ وَجَبَتْ دِيَتُهُ، فَمَنْ مَاتَ مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَانَتْ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ دِيَتِهِ، كَأَنَّ رَجُلاً جَنَى عَلَيْهِ فِي صَدْرِ النَّهَارِ فَمَاتَ، وَمَاتَ ابْنٌ لَهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَأُخِذَتْ دِيَةُ أَبِيهِ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ، فَمِيرَاثُ الاِبْنِ الَّذِي عَاشَ بَعْدَهُ سَاعَةً قَائِمٌ فِي دِيَتِهِ، كَمَا يَثْبُتُ فِي دَيْنٍ لَوْ كَانَ لأَِبِيهِ، وَكَذَلِكَ امْرَأَتُهُ
__________
(1) المنتقى شرح الموطأ 7 / 104.
وَغَيْرُهَا مِمَّنْ يَرِثُهُ إِذَا مَاتَ (1) .
وَالثَّانِي: لإِِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ وَشَرِيكٍ وَهُوَ أَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً، وَلاَ تَكُونُ مِلْكًا لِلْمَيِّتِ أَصْلاً، إِذِ الْمَقْتُول لاَ تَجِبُ دِيَتُهُ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِذَا مَاتَ فَقَدْ بَطَل مِلْكُهُ، وَلِهَذَا لاَ يَصِحُّ أَنْ تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ، وَلاَ أَنْ تُنَفَّذَ مِنْهَا وَصَايَاهُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي اسْتِدْلاَلِهِمْ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ: أَنَّ الدِّيَةَ مَالٌ حَدَثَ لِلأَْهْل بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ، وَلَمْ يَرِثُوهُ عَنْهُ قَطُّ، إِذْ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، فَكَانَ مِنَ الْبَاطِل أَنْ يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْ مَال الْوَرَثَةِ الَّذِي لَمْ يَمْلِكْهُ هُوَ قَطُّ فِي حَيَاتِهِ، وَأَنْ تُنَفَّذَ مِنْهُ وَصِيَّتُهُ. . . ثُمَّ إِنَّهُ بِالْمَوْتِ تَزُول أَمْلاَكُ الْمَيِّتِ الثَّابِتَةُ لَهُ، فَكَيْفَ يَتَجَدَّدُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِلْكٌ؟ وَلِهَذَا لاَ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ مِنْ مَال الدِّيَةِ، لأَِنَّ الْمَيِّتَ إِنَّمَا يُوصِي بِجُزْءٍ مِنْ مَالٍ لاَ بِمَال وَرَثَتِهِ (2) .
ثَالِثًا - حُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ
21 - حَقُّ الاِرْتِفَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ حَقٍّ مُقَرَّرٍ عَلَى عَقَارٍ لِمَنْفَعَةِ عَقَارٍ آخَرَ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِ مَالِكِ
__________
(1) الأم 6 / 88، 89.
(2) المحلي 10 / 490، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 321، والمغني 8 / 548، 549، والمبدع لبرهان الدين ابن مفلح 6 / 56.
الصفحة 263