كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)
وَبِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (1) حَيْثُ عَمَّمَ سُبْحَانَهُ الدُّيُونَ كُلَّهَا، وَالزَّكَاةُ دَيْنٌ قَائِمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْغَارِمِينَ وَسَائِرِ مَنْ فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِنَصِّ الْكِتَابِ الْمُبِينِ.
وَبِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ. قَال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى (2) . فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ تُقْضَى، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ مِنْهَا (3) .
الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنُ زَكَاةٍ لَمْ يُؤَدِّهِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَلاَ يُلْزَمُ الْوَرَثَةُ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ تَرِكَتِهِ مَا لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَوْصَى بِأَدَائِهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهَا كَسَائِرِ الْوَصَايَا، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لاَ يَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَحُمَيْدٍ الطَّوِيل وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
__________
(1) سورة النساء / 11.
(2) حديث: " يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 192 ط السلفية) ، ومسلم (2 / 804 ط عيسى الحلبي) .
(3) المغني 4 / 145، والمجموع 5 / 335، 6 / 231.
وَتَعْلِيل ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ الأَْفْعَال، إِذْ بِهَا تَظْهَرُ الطَّاعَةُ وَالاِمْتِثَال، وَمَا كَانَ مَالِيًّا مِنْهَا، فَالْمَال مُتَعَلِّقٌ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْفِعْل، وَقَدْ سَقَطَتِ الأَْفْعَال كُلُّهَا بِالْمَوْتِ، لِتَعَذُّرِ ظُهُورِ طَاعَتِهِ بِهَا فِي دَارِ التَّكْلِيفِ، فَكَانَ الإِْيصَاءُ بِالْمَال الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُهَا تَبَرُّعًا مِنَ الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً، فَاعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ، وَالصِّلاَتُ تَبْطُل بِالْمَوْتِ قَبْل التَّسْلِيمِ (1) .
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، فَقَالُوا بِعَدَمِ سُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ قَبْل الأَْدَاءِ إِذَا كَانَ الْخَارِجُ، قَائِمًا، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ إِذَا مَاتَ قَبْل أَدَائِهِ (2) .
الثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ لَمْ تُؤَدَّ فِي حَيَاتِهِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الزَّكَاةُ حَالَّةً فِي الْعَامِ الْحَاضِرِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَنْ سِنِينَ مَاضِيَةٍ فَرَّطَ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِيهَا.
__________
(1) فتح الغفار 3 / 98، ورد المحتار 6 / 760، وبدائع الصنائع 2 / 53، وفتح القدير 2 / 359، والمغني 4 / 146، والمجموع 5 / 335، 336، والمبسوط 27 / 146.
(2) رد المحتار 2 / 332، وبدائع الصنائع 2 / 53.
الصفحة 282