كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)
وَتَسْلِيمُهُ لِرَبِّ السَّلَمِ وَإِنْ غَلاَ وَزَادَ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهَا، فَيَثْبُتُ لِلْمُسْلَمِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالصَّبْرِ حَتَّى يُوجَدَ الْمُسْلَمُ فِيهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَلاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ - كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ - لأَِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَالْوَفَاءُ فِي الْمُسْتَقْبَل مُمْكِنٌ، وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْل الْقَبْضِ. (1)
الْقَوْل الثَّانِي: لِلْحَنَابِلَةِ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَهُوَ أَنَّ الأَْجَل لاَ يَحِل بِمَوْتِ الْمَدِينِ إِذَا وَثَّقَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ عَلَى أَقَل الأَْمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوِ الدَّيْنِ، وَلاَ يُوقَفُ شَيْءٌ مِنْ تَرِكَةِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ لأَِجَل دَيْنِ السَّلَمِ.
فَإِنْ لَمْ يُوَثَّقْ بِذَلِكَ حَل، لأَِنَّ الْوَرَثَةَ قَدْ لاَ يَكُونُونَ أَمْلِيَاءَ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِمُ الْغَرِيمُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى فَوَاتِ الْحَقِّ (2) .
ج - الإِْجَارَةُ:
69 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَأْثِيرِ مَوْتِ الْمُؤَجِّر فِي إِجَارَةِ الأَْعْيَانِ وَالأَْجِيرِ فِي إِجَارَةِ الأَْعْمَال عَلَى مَا الْتَزَمَ بِهْ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
__________
(1) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه 4 / 189، 190، وفتح العزيز 9 / 245، وأسنى المطالب 2 / 127.
(2) شرح منتهى الإرادات 2 / 286، والمغني 6 / 407، 568، والإنصاف 5 / 307، والمبدع 4 / 326.
الْقَوْل الأَْوَّل: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ مَا الْتَزَمَ بِهِ الْمُؤَجِّرُ لاَ يَبْطُل بِمَوْتِهِ، لأَِنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ، بَل تَبْقَى عَلَى حَالِهَا، لأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ فَلاَ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ مَعَ سَلاَمَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِك تَبْقَى الْعَيْنُ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا مَا تَبَقَّى لَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمُؤَجِّرِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَهُوَ قَوْل إِسْحَاقَ وَالْبَتِّيِّ وَأبِي ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (1) .
وَأَمَّا مَا الْتَزَمَ بِهِ الأَْجِيرُ مِنَ الْعَمَل: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرْتَبَطًا بِعَيْنِهِ وَذَاتِهِ، كَمَا إِذَا قَال لَهُ: اسْتَأْجَرْتُكَ أَوِ اكْتَرَيْتُكَ لِتَعْمَل كَذَا أَوْ لِكَذَا أَوْ لِعَمَل كَذَا، أَوْ يَكُونُ مُرْتَبِطًا بِذِمَّةِ الأَْجِيرِ، كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لأَِدَاءِ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ يَلْزَمُ ذِمَّتَهُ، مِثْل أَنْ يُلْزِمَهُ حَمْل كَذَا إِلَى مَكَانِ كَذَا أَوْ خِيَاطَةِ كَذَا دُونَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ مَا يُسَمَّى فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ بِإِجَارَةِ الذِّمَّةِ.
فَإِنْ كَانَ الاِلْتِزَامُ مُرْتَبِطًا بِعَيْنِ الأَْجِيرِ وَذَاتِهِ،
__________
(1) الأم 3 / 255 - 256، والقليوبي وعميرة 3 / 84، ونهاية المحتاج 5 / 313، 314، وبداية المجتهد 2 / 292، والمغني 8 / 43 - 44، وكشاف القناع 4 / 29 - 31، 34، والبهجة 2 / 178، 181، وأسنى المطالب 2 / 431 - 432، وحاشية الدسوقي 4 / 27، 28، والخرشي 7 / 30.
الصفحة 296