كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)
وَإِصْلاَحِهِ، أَوْ مَا الْتَزَمَ بِهِ الْعَامِل مِنْ تَعَهُّدِ الشَّجَرِ وَعَمَل سَائِرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ لاَ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ طَرَفَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْل بَدْءِ الْعَمَل أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، لأَِنَّهُ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَأَشْبَهَ الإِْجَارَةَ، وَيَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا.
وَعَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ عَامِل الْمُسَاقَاةِ، كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقُومُوا مَقَامَهُ فِي إِتْمَامِ الْعَمَل إِذَا كَانُوا عَارِفِينَ بِالْعَمَل أُمَنَاءَ، وَيَلْزَمُ الْمَالِكَ أَوْ وَرَثَتَهُ تَمْكِينُهُمْ مِنَ الْعَمَل إِنْ كَانُوا كَذَلِكَ.
فَإِنْ أَبَى الْوَرَثَةُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ الْعَمَل لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْوَارِثَ لاَ يَلْزَمُهُ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَى مُوَرِّثِهِ إِلاَّ مَا أَمْكَنَ أَدَاؤُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَالْعَمَل هَاهُنَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَسْتَأْجِرُ الْحَاكِمُ مِنَ التَّرِكَةِ مَنْ يَقُومُ بِالْعَمَل، لأَِنَّهُ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الدُّيُونِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَرِكَةٌ، وَلَمْ يَتَبَرَّعِ الْوَرَثَةُ بِالْوَفَاءِ، فَلِرَبِّ الْمَال الْفَسْخُ، لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَبَّ الشَّجَرِ، لَمْ تُفْسَخِ
الْمُسَاقَاةُ، وَيَسْتَمِرُّ الْعَامِل فِي عَمَلِهِ، وَيَجِبُ عَلَى وَرَثَةِ رَبِّ الْمَال تَمْكِينُهُ مِنَ الْعَمَل وَالاِسْتِمْرَارِ فِيهِ وَعَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُ، وَبَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل يَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرِ بِحَسَبِ مَا اشْتُرِطَ فِي الْعَقْدِ (1) .
الْقَوْل الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَبْطُل بِالْمَوْتِ، أَيْ بِمَوْتِ رَبِّ الشَّجَرِ أَوِ الْعَامِل، قَبْل بَدْءِ الْعَمَل أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، لأَِنَّهَا فِي مَعْنَى الإِْجَارَةِ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل عِنْدَهُمْ.
ثُمَّ فَصَلُّوا فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالُوا: إِذَا قَامَ الْعَامِل بِرِعَايَةِ وَسِقَايَةِ الشَّجَرِ، وَلَقَّحَهُ حَتَّى صَارَ بُسْرًا أَخْضَرَ، ثُمَّ مَاتَ صَاحِبُ الشَّجَرِ، فَإِنَّ الْمُسَاقَاةَ تَنْتَقِضُ بَيْنَهُمَا فِي الْقِيَاسِ، وَلَكِنْ لِلْعَامِل - اسْتِحْسَانًا - أَنْ يَقُومَ بِرِعَايَةِ الشَّجَرِ حَتَّى يُدْرِكَ الثَّمَرُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَرَثَةُ رَبِّ الشَّجَرِ، لأَِنَّ فِي انْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِمَوْتِ رَبِّ الشَّجَرِ إِضْرَارًا بِالْعَامِل وَإِبْطَالاً لِمَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ تَرْكُ الثِّمَارِ عَلَى الأَْشْجَارِ إِلَى وَقْتِ الإِْدْرَاكِ، وَإِذَا انْتَقَضَ الْعَقْدُ فَإِنَّهُ يُكَلَّفُ الْجِذَاذَ قَبْل الإِْدْرَاكِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بَالِغٌ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لاَ تَبْطُل الْمُسَاقَاةُ
__________
(1) أسنى المطالب 2 / 399، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي 5 / 257، وبداية المجتهد 2 / 250، وحاشية الدسوقي 3 / 488، والمدونة 12 / 27، والمغني 7 / 542، 546.
الصفحة 298