كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)

و - الْحَوَالَةُ:
72 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَأْثِيرِ مَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوِ الْمُحِيل فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ عَلَى الاِلْتِزَامَاتِ النَّاشِئَةِ عَنْ تِلْكَ الْمُعَاقَدَةِ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْل اسْتِيفَاءِ دَيْنِ الْحَوَالَةِ، وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أَوَّلاً: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ يُلْزَمُ بِالدَّيْنِ الْمَحَال بِهِ، وَلاَ يُطَالَبُ بِهِ الْمُحِيل أَبَدًا، لأَِنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ بَرِئَتْ بِمُقْتَضَى الْحَوَالَةِ، فَلاَ يَكُونُ لِلْمُحَال الْحَقُّ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل بِحَالٍ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا مَاتَ الْمَحَال عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَا الْتَزَمَ بِهِ لاَ يَبْطُل بِمَوْتِهِ، بَل يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِذَا مَاتَ مُفْلِسًا لاَ تَرِكَةَ لَهُ فَإِنَّ الْتِزَامَهُ لاَ يَبْطُل، وَلاَ يَكُونُ لِلْمُحَال حَقٌّ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ لاَ يَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ فَامْتَنَعَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل لِبَقَاءِ الدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ (1) .
أَمَّا مَوْتُ الْمُحِيل فَلاَ تَأْثِيرَ لَهُ عَلَى الْحَوَالَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ بَرِئَتْ وَانْتَقَل الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ،
__________
(1) نهاية المحتاج 4 / 415، وأسنى المطالب 2 / 232، وكشاف القناع 3 / 386، وشرح منتهى الإرادات 2 / 257.
فَأَصْبَحَ هُوَ الْمُطَالَبَ بِهِ وَحْدَهُ، إِذِ الْحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الإِْيفَاءِ

ثَانِيًا: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى مَا الْتَزَمَ بِهِ مِنْ مَالٍ، فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَيُعْطَى لِلْمُحَال.
وَإِذَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدِينًا قُسِمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَبَيْنَ الْمُحَال بِالْحِصَصِ، فَإِنْ بَقِيَ لِلْمُحَال شَيْءٌ مِنَ الدَّيْنِ رَجِعَ بِهِ عَلَى الْمُحِيل.
وَإِذَا كَانَ دَيْنُ الْحَوَالَةِ مُؤَجَّلاً فَإِنَّهُ يَحِل بِوَفَاةِ الْمُحَال عَلَيْهِ لاِسْتِغْنَائِهِ عَنِ الأَْجَل بِمَوْتِهِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ حِينَئِذٍ تَنْتَهِي فِي الدَّيْنِ كُلِّهِ - إِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً بِشَيْءٍ مِنْهُ - أَوْ تَنْتَهِي فِي بَاقِيهِ إِنْ تَرَكَ وَفَاءً بِبَعْضِهِ (1) .
أَمَّا إِذَا مَاتَ الْمُحِيل فَإِنَّ لِوَفَاتِهِ تَأْثِيرًا عَلَى الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، وَإِنْ كَانَ الأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنَّ ذِمَّةَ الْمُحِيل قَدْ بَرِئَتْ لاِنْتِقَال الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِسَلاَمَةِ حَقِّ الْمُحَال، فَخَوْفًا أَنْ يَضِيعَ حَقُّهُ وَيَتْوَى، كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل رَغْمَ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، إِذِ الْبَرَاءَةُ هَهُنَا مُؤَقَّتَةٌ وَمَرْهُونَةٌ بِسَلاَمَةِ حَقِّ
__________
(1) المبسوط 20 / 72، ورد المحتار 5 / 345، وتكملة فتح القدير والعناية مع الهداية 7 / 245، 250.

الصفحة 301