كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)

ز - الْوَصِيَّةُ:
87 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَلْزَمُ فِي حَقِّ الْمُوصِي مَا دَامَ حَيًّا فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا فِي حَيَاتِهِ مَتَى شَاءَ لأَِنَّهَا عَقْدُ تَبَرُّعٍ لَمْ يَتِمَّ، إِذْ تَمَامُهَا بِمَوْتِ الْمُوصِي، فَجَازَ رُجُوعُهُ عَنْهَا قَبْل تَمَامِهَا، وَلأَِنَّ الْقَبُول فِي الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَكُل عَقْدٍ لَمْ يَقْتَرِنْ بِإِيجَابِهِ الْقَبُول، فَلِلْمُوجِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ.
وَعَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَبْطُل بِمَوْتِ الْمُوصِي إِذَا مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا، وَلاَ يَسْقُطُ الْتِزَامُهُ بِوَفَاتِهِ، بَل يُعْتَبَرُ مَوْتُهُ مُوجِبًا لِلُزُومِهَا، مِنْ جِهَتِهِ، وَقَاطِعًا لِحَقِّهِ فِي الرُّجُوعِ عَنْهَا، وَمُثْبِتًا لاِلْتِزَامِهِ النَّاشِئِ عَنْهَا وَالْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا (1) .

ح - النَّذْرُ:
88 - إِذَا مَاتَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ النَّذْرُ دُونَ أَنْ يَفِيَ بِهِ، فَهَل يَبْطُل الْتِزَامُهُ بِالْمَوْتِ أَمْ لاَ؟
__________
(1) العناية على الهداية 10 / 436، وأسنى المطالب 3 / 63 - 64، ونهاية المحتاج 6 / 94، والبهجة شرح التحفة 2 / 313، وبداية المجتهد 2 / 336، وحاشية الدسوقي 4 / 380 - 381، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام 1 / 238 - 239، والمغني 8 / 407، وكشاف القناع 4 / 348.
فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّذْرِ الْمَالِيِّ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِمَا، وَبَيْنَ غَيْرِ الْمَالِيِّ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالاِعْتِكَافِ وَنَحْوِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - النَّذْرُ الْمَالِيُّ:
89 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَنْ نَذَرَ فِي صِحَّتِهِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ مَاتَ قَبْل الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ عَدَمُ سُقُوطِ النَّذْرِ بِمَوْتِهِ إِذَا أَوْصَى بِأَنْ يُوفَّى مِنْ مَالِهِ، وَيُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِهِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا، فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ سَقَطَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَرَثَةِ إِخْرَاجُهُ مِنْ مَالِهِمْ إِلاَّ أَنْ يَتَطَوَّعُوا بِهِ (1) .

الْقَوْل الثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ النَّذْرَ لاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، بَل يُؤْخَذُ مِنْ رَأْسِ مَال تَرِكَتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْصَى بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ (2) .
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 53، ورد المحتار 6 / 760، وفتح القدير 2 / 358، والزرقاني على الموطأ 2 / 185، والمنتقى للباجي 2 / 62، 63، والخرشي وحاشية العدوي عليه 8 / 184.
(2) المجموع للنووي 6 / 231 - 232، ونهاية المحتاج 6 / 5 - 6، وفتح الباري 11 / 585، وتحفة المحتاج 10 / 96 - 97، والمغني 3 / 656، وكشاف القناع 4 / 403 - 404، والقواعد لابن رجب ص 344.

الصفحة 311