كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)

وَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ (1) وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا قَدْ تَعَامَلُوهُ فَكَانَ إِجْمَاعًا وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى أَنْ يَلْزَمَ الْوَقْفُ لِيَصِل ثَوَابُهُ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ، وَأَمْكَنَ دَفْعُ هَذِهِ الْحَاجَةِ بِإِسْقَاطِ الْمِلْكِ وَجَعْلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَيَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ كَمَا يَخْرُجُ الْمَسْجِدُ.
وَلِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ بِزَوَال الْمِلْكِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْل - كَمَا سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ - لأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ لِلَّهِ فَصَارَ كَالْعِتْقِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَزُول الْمِلْكُ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إِلَى الْمُتَوَلِّي لأَِنَّهُ صَدَقَةٌ، فَيَكُونُ التَّسْلِيمُ مِنْ شَرْطِهِ كَالصَّدَقَةِ الْمُنَفَّذَةِ، وَلأَِنَّ التَّمْلِيكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَتَحَقَّقُ قَصْدًا لأَِنَّهُ مَالِكُ الأَْشْيَاءِ كُلِّهَا، وَلَكِنَّهُ يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ التَّسْلِيمِ إِلَى الْعَبْدِ (2) .
__________
(1) حديث: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة. . . ". أخرجه مسلم (3 / 1255 ط عيسى الحلبي) .
(2) تبيين الحقائق 3 / 325، ومغني المحتاج 2 / 382، وأسنى المطالب 2 / 462، وروضة الطالبين 5 / 322.
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ أَبَو حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْمَوْقُوفَ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ إِذَا لَمْ يَجْعَلْهُ مَسْجِدًا، وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ بَيَانُهُ كَالآْتِي:
قَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَزُول الْمِلْكُ إِلاَّ بِقَضَاءِ قَاضٍ يَرَى ذَلِكَ، لأَِنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَيَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
وَاسْتَدَل بِحَدِيثِ: لاَ حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ (1) وَلأَِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ بَاقٍ، إِذْ غَرَضُهُ التَّصَدُّقُ بِغَلَّتِهِ، وَهُوَ لاَ يُتَصَوَّرُ إِلاَّ إِذَا بَقِيَ الأَْصْل عَلَى مِلْكِهِ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعُمَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّل ثَمَرَتَهَا (2) أَيْ: احْبِسْهُ عَلَى مِلْكِك وَتَصَدَّقْ بِثَمَرَتِهَا، وَإِلاَّ كَانَ مُسَبِّلاً جَمِيعَهَا، وَلأَِنَّ خُرُوجَ الْمِلْكِ لاَ إِلَى مَالِكٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، أَلاَ تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَانَا عَنِ
__________
(1) حديث: " لا حبس عن فرائض الله ". أخرجه الدارقطني في السنن (4 / 68 ط دار المحاسن. القاهرة) والبيهقي في السنن الكبرى (6 / 162 ط دائرة المعارف) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الدارقطني: لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه وهما ضعيفان.
(2) حديث: " احبس أصلها وسبل ثمرتها ". أخرجه النسائي (6 / 232 ط المكتبة التجارية) ، وابن ماجه (2 / 801 ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

الصفحة 327