كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)

السَّائِبَةِ، وَهِيَ الَّتِي يُسَيِّبُهَا مَالِكُهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِهِ بِزَعْمِهِمْ، قَال تَعَالَى: {مَا جَعَل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} .
وَفَرَّقُوا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ جَعْل الْبُقْعَةِ مَسْجِدًا أَوِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ وَالْعِتْقِ، حَيْثُ يَزُول الْمِلْكُ بِهِمَا، لأَِنَّهُ يُحْرَزُ عَنْ حَقِّ الْعَبْدِ حَتَّى لاَ يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَلِهَذَا لاَ يَنْقَطِعُ عَنْهُ حَقُّ الْعَبْدِ حَتَّى كَانَ لَهُ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِصَرْفِ غَلاَّتِهِ إِلَى مَصَارِفِهِ، وَنَصْبِ الْقَيِّمِ، وَلأَِنَّهُ تَصَدَّقَ بِالْغَلَّةِ أَوِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْدُومَةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إِلاَّ فِي الْوَصِيَّةِ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: إِنَّ مِلْكَ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ ثَابِتٌ لِلْوَاقِفِ، لأَِنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ مِنْ بَابِ الإِْسْقَاطِ فَلاَ يَزُول بِهِ الْمِلْكُ، بَل يَبْقَى فِي مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَلِلْوَاقِفِ فِي حَيَاتِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إِصْلاَحَهُ لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ الإِْصْلاَحُ إِلَى تَغْيِيرِ مَعَالِمِهِ، وَلِوَارِثِهِ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَمْنَعِ الْوَارِثُ فَلِلإِْمَامِ ذَلِكَ، هَذَا إِذَا قَامَ الْوَرَثَةُ بِإِصْلاَحِهِ، وَإِلاَّ فَلِغَيْرِهِمْ إِصْلاَحُهُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الثَّانِي: يَبْقَى مِلْكُ
__________
(1) تبيين الحقائق 3 / 325، والخرشي 7 / 98.
رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ لِلْوَاقِفِ، لأَِنَّهُ حَبَسَ الأَْصْل وَسَبَّل الثَّمَرَةَ، وَذَلِكَ لاَ يُوجِبُ زَوَال مِلْكِهِ (1) .

الرَّأْيُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يُوقَفُ عَلَى شَخْصٍ أَوْ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَبَيْنَ مَا يُوقَفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ، حَيْثُ يَبْقَى الأَْوَّل عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَالثَّانِي يَنْتَقِل إِلَى مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ.
قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ جِهَةً عَامَّةً، كَالْمَدَارِسِ وَالرِّبَاطِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْغُزَاةِ، فَإِنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يَنْتَقِل إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا عِنْدَهُمْ بِلاَ خِلاَفٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ آدَمِيًّا مُعَيَّنًا أَوْ عَدَدًا مِنَ الآْدَمِيِّينَ مَحْصُورِينَ كَأَوْلاَدِهِ أَوْ أَوْلاَدِ زَيْدٍ: يَنْتَقِل الْمِلْكُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَيَمْلِكُهُ كَالْهِبَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الثَّالِثِ لَهُمْ: يَنْتَقِل الْمَوْقُوفُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِلْحَاقًا بِالصَّدَقَةِ وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا وُقِفَ عَلَى شَخْصٍ أَوْ جِهَةٍ عَامَّةٍ، أَمَّا إِذَا جَعَل الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً فَهُوَ فَكٌّ
__________
(1) تبيين الحقائق 3 / 320، 325، والبدائع 6 / 221، والخرشي 7 / 98، والزرقاني 7 / 91، وروضة الطالبين 5 / 342، ومغني المحتاج 2 / 389.

الصفحة 328