كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)
التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَال: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِل مَيْتَتُهُ (1) .
فَقَدْ أَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ هَذَا عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنْ حُكْمِ التَّطَهُّرِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَلَوْلاَ أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ مِنَ الطَّهُورِ أَنَّهُ الْمُطَهِّرُ، لَمْ يَحْصُل لَهُمُ الْجَوَابُ (2) .
ثَانِيًا: أَنَّ الْعَرَبَ فَرَّقَتْ بَيْنَ اسْمِ الْفَاعِل وَصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فَقَالَتْ: قَاعِدٌ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْقُعُودُ، وَقُعُودٌ: لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الطَّهُورِ وَالطَّاهِرِ مِنْ حَيْثُ التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ، فَالطَّهُورُ مِنَ الأَْسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَهُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، وَالطَّاهِرُ مِنَ الأَْسْمَاءِ اللاَّزِمَةِ (3) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الطَّاهِرُ وَهُوَ مَا حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْريِّ وَسُفْيَانَ وَأَبِي بَكْرِ الأَْصَمِّ وَابْنِ دَاوُدَ (4) .
وَاحْتَجُّوا بِمَا يَلِي:
أَوَّلاً: قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} (5) .
__________
(1) حديث: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ". أخرجه الترمذي (1 / 101) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن صحيح.
(2) المجموع 1 / 85، والمغني 1 / 7.
(3) المغني 1 / 7.
(4) البحر الرائق 1 / 70، والمجموع 1 / 84
(5) سورة الإنسان / 21.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْل الْجَنَّةِ لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى التَّطْهِيرِ مِنْ حَدَثٍ وَلاَ نَجَسٍ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّهُورِ هُوَ الطَّاهِرُ (1) .
ثَانِيًا: قَوْل جَرِيرٍ فِي وَصْفِ النِّسَاءِ:
عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورٌ
وَالرِّيقُ لاَ يُتَطَهَّرُ بِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الطَّاهِرَ (2) .
ثَالِثًا: وَالطَّهُورُ يُفِيدُ التَّطْهِيرَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَإِنَّ فِي الشَّكُورِ وَالْغَفُورِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ مَا لَيْسَ فِي الْغَافِرِ وَالشَّاكِرِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الطَّهُورِ مَعْنًى زَائِدٌ لَيْسَ فِي الطَّاهِرِ، وَلاَ تَكُونُ تِلْكَ الْمُبَالَغَةُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ إِلاَّ بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ لأَِنَّ فِي نَفْسِ الطَّهَارَةِ كِلْتَا الصِّفَّتَيْنِ سَوَاءٌ، فَتَكُونُ صِفَّةُ التَّطْهِيرِ لَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، لاَ أَنَّ الطَّهُورَ بِمَعْنَى الْمُطَهَّر (3) .
أَنْوَاعُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ
4 - أَنْوَاعُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ كَمَا ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ هِيَ:
الأَْوَّل: مَاءُ السَّمَاءِ أَيِ النَّازِل مِنْهَا، يَعْنِي
__________
(1) البحر الرائق 1 / 70، والذخيرة 1 / 160، والمجموع 1 / 84.
(2) البحر الرائق 1 / 70، والمجموع 1 / 84 - 85.
(3) البحر الرائق 1 / 70، والكشاف للزمخشري 3 / 95 ط دار المعرفة - بيروت.
الصفحة 354