كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)

يَقُول صَاحِبُ بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُل مَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ مِمَّا لاَ يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا أَنَّهُ لاَ يَسْلُبُهُ صِفَةَ الطَّهَارَةِ وَالتَّطْهِيرِ، إِلاَّ خِلاَفًا شَاذًّا رُوِيَ فِي الْمَاءِ الآْجِنِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ (1) .
وَيَقُول النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِالْمُكْثِ فَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الاِتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لاَ كَرَاهَةَ فِيهِ، إِلاَّ ابْنَ سِيرِينَ فَكَرِهَهُ (2) .

الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَل
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَل وَحُكْمِهِ وَذَلِك عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:

الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
9 - الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: هُوَ الْمَاءُ الَّذِي أُزِيل بِهِ حَدَثٌ أَوِ اسْتُعْمِل فِي الْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، كَالْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ أَوْ لإِِسْقَاطِ فَرْضٍ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: هُوَ الْمَاءُ الَّذِي اسْتُعْمِل لإِِقَامَةِ قُرْبَةٍ.
وَعِنْدَ زُفَرَ: هُوَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَل لإِِزَالَةِ الْحَدَثِ.
__________
(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1 / 40، وجاء في مصنف ابن أبي شيبة 1 / 58 ط دار الفكر ما نصه: عن ابن سيرين أنه كان يكره الوضوء بالماء الآجن.
(2) المجموع 1 / 91.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلاً بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنِ الْبَدَنِ (1) .
وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الْخِلاَفِ عِنْدَهُمْ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَل فِيمَا يَلِي:
أ - إِذَا تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ إِقَامَةِ الْقُرْبَةِ نَحْوَ الصَّلاَةِ الْمَعْهُودَةِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ وَدُخُول الْمَسْجِدِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهَا.
فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلاً بِلاَ خِلاَفٍ لِوُجُودِ السَّبَبَيْنِ، وَهُمَا: إِزَالَةُ الْحَدَثِ وَإِقَامَةُ الْقُرْبَةِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْدِثٍ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلاً عِنْدَ الثَّلاَثَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وُمُحَمَّدٍ لِوُجُودِ إِقَامَةِ الْقُرْبَةِ، لِكَوْنِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ، وَعِنْدَ زُفَرَ: لاَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلاً لاِنْعِدَامِ إِزَالَةِ الْحَدَثِ.
ب - إِذَا تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَل لِلتَّبَرُّدِ، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلاً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ لِوُجُودِ إِزَالَةِ الْحَدَثِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لاَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلاً لِعَدَمِ إِقَامَةِ الْقُرْبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا لاَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلاً بِالاِتِّفَاقِ.
ج - إِذَا تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ كَمَاءِ الْوَرْدِ
__________
(1) فتح القدير 1 / 89، 90.

الصفحة 359