كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)
وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ جَوَازَ الْوُضُوءِ بِهِ (1) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (2) . فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل بِاسْتِعْمَال الْمَاءِ - مُنَكَّرًا - عِنْدَ إِرَادَةِ الصَّلاَةِ، وَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ إِلاَّ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَدَل هَذَا عَلَى طَهُورِيَّتِهِ وَعَدَمِ جَوَازِ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاقِعُ فِيهِ مِسْكًا أَمْ عَسَلاً أَمْ نَحْوَ ذَلِكَ (3) .
وَبِمَا وَرَدَ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَل هُوَ وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ (4) .
فَهَذَا الْحَدِيثُ وَاضِحُ الدَّلاَلَةِ فِي جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ إِذَا خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ اخْتِلاَطٌ يَمْنَعُ التَّطَهُّرَ لَمَا اغْتَسَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ فِيهِ أَثَرُ الْعَجِينِ فَدَل هَذَا عَلَى طُهُورِيَّتِهِ (5) ، وَلأَِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ بِأَصْل خِلْقَتِهِ، وَقَدْ خَالَطَهُ طَاهِرٌ لَمْ يَسْلُبْهُ اسْمَ الْمَاءِ وَلاَ رِقَّتَهُ وَلاَ جَرَيَانَهُ، فَأَشْبَهَ
__________
(1) المغني 1 / 12، والمحرر 1 / 2.
(2) سورة النساء / 43.
(3) المغني 1 / 12.
(4) حديث أم هانئ: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد. . . ". أخرجه النسائي (1 / 131) ، والبيهقي (1 / 7) ، وأشار البيهقي إلى انقطاع في سنده بين مجاهد وأم هانئ.
(5) تبيين الحقائق 1 / 12، والمغني 1 / 15.
الْمُتَغَيِّرَ بِالدُّهْنِ، أَوِ الْمُخْتَلَطَ بِالطُّحْلُبِ وَشِبْهَهُ (1) .
وَالْفَرِيقُ الثَّانِي: وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٌ. قَال صَاحِبُ أَسْهَل الْمَدَارِكِ: وَالْمُتَغَيِّرُ بِالطَّاهِرِ كَاللَّبَنِ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ طَهُورٍ، يُسْتَعْمَل فِي الْعَادَاتِ كَالطَّبْخِ وَالشُّرْبِ، وَلاَ يُسْتَعْمَل فِي الْعِبَادَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْل (2) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: مَنْعُ الطَّهَارَةِ بِالْمُتَغَيِّرِ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ وَالْمَاءُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ هُوَ مَذْهَبُنَا (3) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَغَيَّرَ إِحْدَى صِفَاتِهِ - طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ - كَمَاءِ الْبَاقِلاَّ وَمَاءِ الْحِمَّصِ وَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ، اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْمِ فِي الْوُضُوءِ بِهِ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ إِمَامِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ. فَرُوِيَ عَنْهُ: لاَ تَحْصُل الطَّهَارَةُ بِهِ. . . قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَهِيَ الأَْصَحُّ وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي الْخِلاَفِ (4) ، وَقَال الْمِرْدَاوِيُّ وَهِيَ الْمَذْهَبُ (5) .
__________
(1) المغني 1 / 12.
(2) أسهل المدارك 1 / 38.
(3) المجموع 1 / 104.
(4) المغني 1 / 12.
(5) الإنصاف 1 / 32.
الصفحة 366