كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)

يَكُنْ لِلنَّهْيِ لِوَهْمِ النَّجَاسَةِ مَعْنًى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَاءَ الإِْنَاءِ إِذَا حَرَّكَهُ آدَمِيٌّ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ سَرَتِ الْحَرَكَةُ فِيهِ إِلَى الطَّرَفِ الآْخَرِ (1) .
وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ: أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ (2) .
فَقَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسْل الإِْنَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، وَوُلُوغُ الْكَلْبِ لاَ يُغَيِّرُ لَوْنَ الْمَاءِ وَلاَ طَعْمَهُ وَلاَ رِيحَهُ، وَإِنَّمَا يُحَرِّكُهُ (3) .

الْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَيَرَى أَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ فَهُوَ قَلِيلٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ كَثِيرٌ (4) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ (5) . وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ، إِلاَّ
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 72.
(2) حديث: " طهور إناء أحدكم. . . ". أخرجه مسلم (1 / 234) .
(3) بدائع الصنائع 1 / 72.
(4) الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي 1 / 43.
(5) حديث: " إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه. . . " تقدم تخريجه فقرة (11) .
إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ (1) . فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ تُفِيدَانِ أَنَّ التَّغْيِيرَ وَعَدَمَهُ مُعْتَبَرٌ فِي مَعْرِفَةِ الطَّاهِرِ مِنَ النَّجِسِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حَدًّا فَاصِلاً بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا إِذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى طَهَارَتِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ.

الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ كَثِيرٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ قَلِيلٌ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلاَةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَال: إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ (2) .
فَتَحْدِيدُ الْمَاءِ بِالْقُلَّتَيْنِ وَنَفْيُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ يَدُل عَلَى أَنَّ مَا دُونَهُمَا يَنْجُسُ، إِذْ لَوِ اسْتَوَى
__________
(1) حديث: " إن الماء طاهر إلاَّ إن تغير ريحه. . . ". أخرجه البيهقي (1 / 260) ، وقال: الحديث غير قوي.
(2) حديث ابن عمر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في الفلاة. . . ". أخرج الرواية الأولى الترمذي (1 / 97) ، والحاكم (1 / 132) ، والرواية الثانية للحاكم، وصححه ووافقه الذهبي.

الصفحة 369