كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)

فَلَمَّا قَال: {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} قَال: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَْوَّلِينَ} رَدًّا عَلَى فِرْعَوْنَ قَوْلَهُ: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَْعْلَى} (1) فَلَمَّا قَال: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِل إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} أَرْدَفَ مَا ذَكَرَ بِشَاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ فَقَال: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا} لأَِنَّ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ لاَ يَقْدِرُ فِرْعَوْنُ عَلَى ادِّعَائِهِمَا، فَلَمَّا انْدَحَضَتْ حُجَّتُهُ قَال: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأََجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} .
وَدَلِيل ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ: مُنَاظَرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ طَالِبِ الإِْذْنِ بِالزِّنَا، وَذَلِكَ فِيمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَال: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَل الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَال: ادْنُهْ. فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَال: فَجَلَسَ، قَال: أَتُحِبُّهُ لأُِمِّكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُِمَّهَاتِهِمْ، قَال: أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ. قَال: أَفَتُحِبُّهُ لأُِخْتِكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
__________
(1) سورة النازعات / 24.
قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَِخَوَاتِهِمْ. قَال: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قَال: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاَتِهِمْ. قَال: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ. فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (1) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْمُنَاظَرَةِ:
حُكْمُ تَعَلُّمِ فَنِّ الْمُنَاظَرَةِ
8 - قَال الآْمِدِيُّ: هَذَا الْفَنُّ لاَ شَكَّ فِي اسْتِحْبَابِ تَحْصِيلِهِ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي وُجُوبِهِ وُجُوبًا كِفَائِيًّا، فَمَنْ قَال بِوُجُوبِ مَعْرِفَةِ مُجَادَلاَتِ الْفِرَقِ عَلَى الْكِفَايَةِ، قَال بِوُجُوبِ التَّحْصِيل، لأَِنَّ هَذَا الْفَنَّ يُعْرَفُ بِهِ كَيْفِيَّةُ الْمُجَادَلَةِ، وَإِلاَّ فَلاَ.
وَقَال مُلاَّ زَادَهْ تَعْلِيقًا عَلَيْهِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ مُجَادَلاَتِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ لِيُجَادِلَهُمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
__________
(1) حديث: " أن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله. . . ". أخرجه أحمد (5 / 256 - 257) عن أبي أمامة رضي الله عنه وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار بهامش إحياء علوم الدين للغزالي (2 / 329 - 330 ط مصطفى الحلبي) : " إسناده جيد ورجاله رجال الصحيح ".

الصفحة 75