كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 39)
أَنْ تَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَتْ: إِنْ شَاءَتْ رَمَتْ بِهِ وَجَاءَتْهُ فِي قَمِيصٍ، وَإِنْ شَاءَتْ جَعَلَتْهُ فِي خَيْطِ الدَّوَّامَةِ، فَقَال مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْدَقَهَا مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَجَاءَتْهُ فِي قَمِيصٍ لَمْ يَحْكُمْ لَهَا بِذَلِكَ، وَلَكِنْ يَأْمُرُهَا أَنْ تَتَجَهَّزَ وَتَتَهَيَّأَ لَهُ بِمَا يَشْتَهِيهِ مِمَّا يَتَجَهَّزُ بَهِ النِّسَاءُ، فَقَال هَارُونَ: أَصَبْتَ (1) .
الثَّانِي: الْمُنَاظَرَةُ الْكِتَابِيَّةُ
15 - وَتَكُونُ الْمُنَاظَرَةُ الْكِتَابِيَّةُ بِمُخَاطَبَةِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ كِتَابِيًّا حَوْل مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ أَوْ أَمْرٍ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ رِسَالَةُ الإِْمَامِ مَالِكٍ إِلَى الإِْمَامِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي مُخَالَفَةِ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَرَدَّ اللَّيْثُ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِيمَا يَلِي نَصُّ الرِّسَالَتَيْنِ: مِنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ إِلَى اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. سَلاَمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. أَمَّا بَعْدُ عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ بِطَاعَتِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلاَنِيَةِ، وَعَافَانَا وَإِيَّاكَ مِنْ كُل مَكْرُوهٍ.
اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُفْتِي النَّاسَ بِأَشْيَاءَ مُخَالِفَةٍ لِمَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ عِنْدَنَا وَبِبَلَدِنَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَأَنْتَ فِي إِمَامَتِكَ
__________
(1) ترتيب المدارك 1 / 221.
وَفَضْلِكَ وَمَنْزِلَتِكَ مِنْ أَهْل بَلَدِكَ وَحَاجَةُ مَنْ قِبَلَكَ إِلَيْكَ وَاعْتِمَادُهُمْ عَلَى مَا جَاءَهُمْ مِنْكَ، حَقِيقٌ بِأَنْ تَخَافَ عَلَى نَفْسِكَ وَتَتَّبِعَ مَا تَرْجُو النَّجَاةَ بِاتِّبَاعِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابِهِ: {وَالسَّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنْصَارِ} (1) الآْيَةَ وَقَال تَعَالَى: {فَبَشِّرْ عِبَادِيَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (2) فَإِنَّمَا النَّاسُ تَبَعٌ لأَِهْل الْمَدِينَةِ، إِلَيْهَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ وَبِهَا نَزَل الْقُرْآنُ وَأُحِل الْحَلاَل وَحُرِّمَ الْحَرَامُ إِذْ رَسُول اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يَحْضُرُونَ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيل وَيَأْمُرُهُمْ فَيُطِيعُونَهُ وَيَسُنُّ لَهُمْ فَيَتَّبِعُونَهُ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَبَرَكَاتُهُ.
ثُمَّ قَامَ مِنْ بَعْدَهُ أَتْبَعُ النَّاسِ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ وَلِيَ الأَْمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، فَمَا نَزَل بِهِمْ مِمَّا عَلِمُوا أَنْفَذُوهُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهِ عِلْمٌ سَأَلُوا عَنْهُ، ثُمَّ أَخَذُوا بِأَقْوَى مَا وَجَدُوا فِي ذَلِكَ فِي اجْتِهَادِهِمْ وَحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ، وَإِنْ خَالَفَهُمْ مُخَالِفٌ أَوْ قَال امْرُؤٌ غَيْرُهُ أَقْوَى مِنْهُ وَأَوْلَى تُرِكَ قَوْلُهُ وَعُمِل بِغَيْرِهِ، ثُمَّ كَانَ التَّابِعُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ يَسْلُكُونَ تِلْكَ السَّبِيل وَيَتَّبِعُونَ تِلْكَ السُّنَنَ.
فَإِذَا كَانَ الأَْمْرُ بِالْمَدِينَةِ ظَاهِرًا مَعْمُولاً بِهِ لَمْ أَرَ لأَِحَدٍ خِلاَفَهُ لِلَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ تِلْكَ
__________
(1) سورة التوبة / 100.
(2) سورة الزمر / 18.
الصفحة 79