كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)
يَمِينٍ (1) ، وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ أَنَّ هَذَا النَّذْرَ كَالْيَمِينِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَحَقُّقِ الشَّرْطِ أَنْ يُخَيَّرَ النَّاذِرُ فِيهِ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا نَذَرَ، أَوْ بِالْكَفَّارَةِ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ جَعَل الْحَدِيثُ كَفَّارَةَ هَذَا النَّذْرِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُول فَقَالُوا: إِنَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ يُشْبِهُ النَّذْرَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ الْتِزَامُ قُرْبَةٍ، وَيُشْبِهُ الْيَمِينَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَقْصُودَهُ مَقْصُودُ الْيَمِينِ، وَلاَ سَبِيل إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ مُوجِبِهِمَا، وَلاَ سَبِيل كَذَلِكَ إِلَى تَعْطِيلِهِمَا، فَتَعَيَّنَ التَّخْيِيرُ (2) .
وَقَالُوا: إِنَّ تَخْيِيرَ النَّاذِرِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ النَّذْرِ بَيْنَ الْوَفَاءِ وَالتَّكْفِيرِ أَجْمَعُ لِلصِّفَتَيْنِ مَعًا، فَإِنِ اعْتُبِرَ نَذْرًا خَرَجَ النَّاذِرُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِاخْتِيَارِ الْوَفَاءِ بِهِ، وَإِنِ اعْتُبِرَ يَمِينًا خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بِاخْتِيَارِ التَّكْفِيرِ عَنْهُ، فَيَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِكُل حَالٍ مِنْهُمَا (3) .
وَقَالُوا كَذَلِكَ: إِنَّ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْمَنْعُ، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ نَذْرٌ، فَيَتَخَيَّرُ
__________
(1) حَدِيث: " لاَ نُذُرَ فِي غَضَب، وَكَفَّارَتَهُ كَفَّارَة يَمِين ". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ (7 / 28 ط التِّجَارِيَّة الْكُبْرَى) ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ فِيهِ رَاوِيًا ضَعِيفًا وَأَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
(2) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ 8 / 219، وَزَاد الْمُحْتَاجِ 4 / 493، وَكَشَّاف الْقِنَاع 6 / 275.
(3) الْكَافِي 4 / 417.
النَّاذِرُ بَيْنَ الْوَفَاءِ وَالتَّكْفِيرِ، وَيَمِيل إِلَى أَيِّ الْجِهَتَيْنِ شَاءَ، وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقَلِيل وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَبَيْنَ الْكَثِيرِ وَهُوَ الْمَنْذُورُ - فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ جَائِزٌ، كَالْعَبْدِ إِذَا أَذِنَ لَهُ مَوْلاَهُ بِالْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ أَدَاءِ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَالنَّذْرُ وَالْيَمِينُ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ لأَِنَّ النَّذْرَ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ وَاجِبٌ لِعَيْنِهِ وَالْيَمِينُ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ صِيَانَةُ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى (1) 11 - وَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ النَّاذِرَ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا سُمِّيَ فِي هَذَا النَّذْرِ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْل جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ (2) وَاسْتَدَلُّوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُول.
أَمَّا الْكِتَابُ الْكَرِيمُ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ (3) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي شَأْنِ الأَْبْرَارِ: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (4) وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ أَنَّ الآْيَتَيْنِ أَفَادَتَا
__________
(1) الْهِدَايَة وَالْعِنَايَة 4 / 27.
(2) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 2883، وَالْهِدَايَة وَالْعِنَايَة وَفَتْح الْقَدِير 4 / 27، وَالْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات 1 / 405، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ 3 / 92، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 3 / 294، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 8 / 219.
(3) سُورَة الْحَجّ / 29
(4) سُورَة الإِْنْسَانِ
الصفحة 144