كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)

مُبْهَمًا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِيهِ فَحُكْمُهُ هُوَ وُجُوبُ مَا نَوَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ، فَإِنْ نَوَى صَوْمًا أَوْ صَلاَةً أَوْ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي الْمُطْلَقِ لِلْحَال، وَفِي الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلاَ تُجْزِئُ النَّاذِرَ كَفَّارَةٌ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ نَوَى فِيهِ صِيَامًا وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ نَوَى إِطْعَامًا وَلَمْ يَنْوِ عَدَدَ مَا يُطْعِمُهُ فَعَلَيْهِ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُل مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَكَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، لأََنَّ النَّذْرَ الْمُبْهَمَ يَمِينٌ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَمَا نَوَاهُ يَنْصَرِفُ إِلَى خِصَال الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ قَال: عَلَيَّ صَدَقَةٌ فَعَلَيْهِ نِصْفُ صَاعٍ، وَلَوْ قَال: عَلَيَّ صَوْمٌ لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ، وَلَوْ قَال: عَلَيَّ صَلاَةٌ لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ، لأَِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى مَا وَرَدَ بِهِ الأَْمْرُ، وَالنَّذْرُ مُعْتَبَرٌ بِهِ (1) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ لِذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
أَمَّا السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ فِيمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ (2) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّ
__________
(1) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ 3 / 71، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 2887 - 2888.
(2) حَدِيث: " كَفَّارَة النَّذْر كَفَّارَة الْيَمِينِ ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه (ف 12) .
رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (1) وَكَذَلِكَ بِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لاَ يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ (2) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَفَادَتَا أَنَّ النَّذْرَ الْمُبْهَمَ - وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ مَخْرَجُهُ مِنَ الأَْعْمَال - نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ صَحِيحٌ وَأَنَّ كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَأَفَادَتِ الرِّوَايَةُ الأُْولَى مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ أَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ وَمُوجِبُهُ هُوَ مُوجِبُ الْيَمِينِ، فَإِنْ صَحَّ النَّذْرُ وَأَمْكَنَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِلاَّ وَجَبَ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَالنَّذْرُ الْمُبْهَمُ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ مَا يُوفِي بِهِ فَتَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَأَمَّا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: تَجِبُ فِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ كَفَّارَةٌ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَؤُلاَءِ الصَّحَابَةَ:
__________
(1) حَدِيث: " كَفَّارَة النَّذْر إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَة يَمِين " أَخْرَجَهُ التزمذي (4 / 106 ط الْحَلَبِيّ) وَقَال: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
(2) حَدِيث: " مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يَسِمْهُ فَكَفَّارَته كَفَّارَة يَمِين. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (3 / 614 ط حَمَّصَ) وَأَشَارَ ابْن حَجْرٍ فِي الْفَتْحِ (11 / 587) إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ عَلَى ابْن عَبَّاسٍ.

الصفحة 159