كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)

الْحَنَفِيَّةِ) ، وَالْقَوْل الثَّالِثُ (وَهُوَ زُفَرُ) ، بِمَا سَبَقَ الاِسْتِدْلاَل بِهِ لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ (وَهِيَ نَذْرُ الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .

نَذْرُ الْهَدْيِ إِلَى غَيْرِ مَكَّةَ: 62 - اخْتَلَفَتِ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَنْ نَذَرَ الْهَدْيَ إِلَى غَيْرِ مَكَّةَ كَالْمَدِينَةِ، أَوِ الأَْمْصَارِ أَوِ الثُّغُورِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَحُكْمُ الذَّبْحِ بِهَا عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:

الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْهَدْيَ إِلَى غَيْرِ مَكَّةَ، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرَهَا لَزِمَهُ الذَّبْحُ وَإِيصَال مَا أَهْدَاهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ فِي النَّذْرِ، وَتَفْرِقَةُ الْهَدْيِ وَلَحْمِ الذَّبِيحَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْل ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَهْلُهُ كُفَّارًا، فَلاَ يَلْزَمُ النَّاذِرَ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ جَوَازِ صَرْفِ الْمَنْذُورِ إِلَيْهِمْ، أَوْ أَنْ يَكُونَ بِالْمَوْضِعِ الْمُعَيَّنِ بِالنَّذْرِ مَا لاَ يَجُوزُ النَّذْرُ لَهُ: كَالصَّنَمِ أَوِ الْكَنِيسَةِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُعَظِّمُهُ الْكُفَّارُ أَوْ غَيْرُهُمْ، وَمِمَّا لاَ يَجُوزُ تَعْظِيمُهُ: كَالْقَبْرِ، أَوِ الْحَجَرِ، أَوِ الشَّجَرِ، قَال بِهِ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (1) وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَال:
__________
(1) مواهب الجليل 3 / 341، وحاشية البناني على شرح الزرقاني 3 / 103، وروضة الطالبين 3 / 327، ونهاية المحتاج 8 / 232 - 233، وزاد المحتاج 4 / 506، والمغني 9 / 19، والكافي 4 / 424 - 425، والحاوي الكبير 5 / 488 ط دار الفكر، والمهذب 1 / 250 ط دار المعرفة.
" نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَال: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةَ، فَقَال النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَل كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لاَ، قَال: هَل كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالُوا: لاَ، قَال رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ (1) وَبِأَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى غَيْرِ مَكَّةَ، قَدْ ضَمَّنَ نَذْرَهُ نَفْعَ فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، بِإِيصَال اللَّحْمِ إِلَيْهِمْ، وَهَذِهِ قُرْبَةٌ فَتَلْزَمُهُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ (2) وَبِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ أَنْ يُفَرِّقَ النَّاذِرُ لَحْمَ الْهَدْيِ بِالْمَكَانِ الَّذِي نَذَرَ الذَّبْحَ بِهِ، فَكَأَنَّهُ نَذَرَ تَفْرِقَةَ اللَّحْمِ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِهِ (3) وَبِأَنَّ نَذْرَ الْهَدْيِ إِلَى غَيْرِ مَكَّةَ فِيهِ إِطْعَامُ مَسَاكِينِ الْبَلَدِ الَّذِي يُسَاقُ إِلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِطْعَامُ مَسَاكِينِ أَيِّ بَلَدٍ طَاعَةٌ (4) يَلْزَمُ النَّاذِرَ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِمَا
__________
(1) حديث ثابت بن الضحاك: " نذر رجل على عهد رسول الله. . . " أخرجه أبو داود (3 / 607 - ط حمص) ، وصحح إسناده ابن حجر في التلخيص (4 / 439 - ط دار الكتب العلمية) .
(2) المغني 9 / 19.
(3) الكافي 4 / 425.
(4) حاشية البناني على شرح الزرقاني 3 / 103.

الصفحة 206