كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّهُ إِذَا أَكَل الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَال: إِذَا نَسِيَ فَأَكَل وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ (1) ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الأَْكْل وَالشُّرْبِ ثَبَتَ فِي الْوِقَاعِ بِدَلاَلَةِ النَّصِّ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَظِيرٌ لِلآْخَرِ فِي كَوْن الْكَفِّ عَنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُكْنًا فِي الصَّوْمِ. (2)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ إِكْرَاهًا، كَانَ الْفَرْضُ أَصْلِيًّا أَوْ نَذْرًا، وَوَجَبَ الإِْمْسَاكُ مُطْلَقًا أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ لاَ، وَكَذَا الْجِمَاعُ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ إِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْمْسَاكُ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ. (3)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ الْمَنْصُوصِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ: إِنْ أَكَل الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ وَإِنْ كَثُرَ الأَْكْل لِلْحَدِيثِ.
__________
(1) حديث: " إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 155 ط السلفية) .
(2) فتح القدير 2 / 254، والعناية بهامش فتح القدير 2 / 255.
(3) الدسوقي 1 / 525، 526، وكفاية الطالب الرباني 1 / 347، والقوانين الفقهية ص 121.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا كَثُرَ الأَْكْل أَوِ الشُّرْبُ أَفْطَرَ؛ لأَِنَّ النِّسْيَانَ مَعَ الْكَثْرَةِ نَادِرٌ، وَلِهَذَا بَطَلَتِ الصَّلاَةُ بِكَثِيرِ الْكَلاَمِ دُونَ قَلِيلِهِ، وَالْكَثِيرُ كَمَا فِي الأَْنْوَارِ ثَلاَثُ لُقَمٍ. وَالْجِمَاعُ نَاسِيًا كَالأَْكْل نَاسِيًا فَلاَ يُفْطِرُ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. (1)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ أَوِ احْتَجَمَ أَوِ اسْتَعَطَ أَوْ أَدْخَل إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أَوْ قَبَّل فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَل، فَأَيَّ ذَلِكَ فَعَلَهُ نَاسِيًا فَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ (2) وَقَالُوا فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ: إِنَّ مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي الْفَرْجِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ قُبُلاَ كَانَ الْفَرْجُ أَوْ دُبُرًا. وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: لاَ يُكَفِّرُ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ابْنُ بَطَّةَ، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ مَاحِيَةٌ، وَمَعَ النِّسْيَانِ لاَ إِثْمَ يَنْمَحِي. وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ كَذَلِكَ: وَلاَ يَقْضِي أَيْضًا، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل الآْجُرِّيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. (3)
__________
(1) مغني المحتاج 1 / 430، وروضة الطالبين 2 / 360.
(2) المغني 3 / 102، 116، وانظر كشاف القناع 2 / 317، 320، والإنصاف 3 / 304.
(3) الإنصاف 3 / 311.
الصفحة 280