كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)
ب - الْهَجْرُ:
15 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِمَّا يُؤَدِّبُ الرَّجُل بِهِ امْرَأَتَهُ إِذَا نَشَزَتِ الْهَجْرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ (1) .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَكُونُ بِهِ الْهَجْرُ الْمَشْرُوعُ، وَفِي غَايَتِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَعَظَ الرَّجُل امْرَأَتَهُ، فَإِنْ نَجَعَتْ فِيهَا الْمَوْعِظَةُ وَتَرَكَتِ النُّشُوزَ وَإِلاَّ هَجَرَهَا، وَقِيل: يُخَوِّفُهَا بِالْهَجْرِ أَوَّلاً وَالاِعْتِزَال عَنْهَا وَتَرْكِ الْجِمَاعِ وَالْمُضَاجَعَةِ، فَإِنْ تَرَكَتْ وَإِلاَّ هَجَرَهَا، لَعَل نَفْسَهَا لاَ تَحْتَمِل الْهَجْرَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْهَجْرِ، قِيل: يَهْجُرُهَا بِأَنْ لاَ يُجَامِعَهَا وَلاَ يُضَاجِعَهَا عَلَى فِرَاشِهِ، وَقِيل: يَهْجُرُهَا بِأَنْ لاَ يُكَلِّمَهَا فِي حَال مُضَاجَعَتِهِ إِيَّاهَا، لاَ أَنْ يَتْرُكَ جِمَاعَهَا وَمُضَاجَعَتَهَا، لأَِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ مَا عَلَيْهَا، فَلاَ يُؤَدِّبُهَا بِمَا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ وَيُبْطِل حَقَّهُ، وَقِيل: يَهْجُرُهَا بِأَنْ يُفَارِقَهَا فِي الْمَضْجَعِ وَيُضَاجِعَ أُخْرَى فِي حَقِّهَا وَقَسْمِهَا، لأَِنَّ حَقَّهَا عَلَيْهِ فِي الْقَسْمِ فِي حَال الْمُوَافَقَةِ وَحِفْظِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ فِي حَال التَّضْيِيعِ، وَقِيل: يَهْجُرُهَا بِتَرْكِ مُضَاجَعَتِهَا وَجِمَاعِهَا لِوَقْتِ غَلَبَةِ شَهْوَتِهَا وَحَاجَتِهَا لاَ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَيْهَا، لأَِنَّ
__________
(1) سُورَةُ النِّسَاءِ / 34
هَذَا لِلتَّأْدِيبِ وَالزَّجْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدِّبَهَا لاَ أَنْ يُؤَدِّبَ نَفْسَهُ بِامْتِنَاعِهِ عَنِ الْمُضَاجَعَةِ فِي حَال حَاجَتِهِ إِلَيْهَا (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْهَجْرُ أَنْ يَتْرُكَ مَضْجَعَهَا، أَيْ يَتَجَنَّبَهَا فِي الْمَضْجَعِ فَلاَ يَنَامُ مَعَهَا فِي فِرَاشٍ، لَعَلَّهَا أَنْ تَرْجِعَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَهَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَحَسَّنَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
وَغَايَةُ الْهَجْرِ الْمُسْتَحْسَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ شَهْرٌ، وَلاَ يَبْلُغُ بِهِ الأَْرْبَعَةَ الأَْشْهُرِ الَّتِي ضَرَبَ اللَّهُ أَجَلاً عُذْرًا لِلْمُولِي (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ نَشَزَتِ الزَّوْجَةُ وَعَظَهَا زَوْجُهَا، ثُمَّ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ لأَِنَّ لَهُ أَثَرًا ظَاهِرًا فِي تَأْدِيبِ النِّسَاءِ، أَمَّا الْهُجْرَانُ فِي الْكَلاَمِ فَلاَ يَجُوزُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ لِحَدِيثِ: لاَ يَحِل لِلْمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ (3) إِلاَّ إِنْ قَصَدَ رَدَّهَا أَوْ إِصْلاَحَ دِينِهَا، إِذِ الْهَجْرُ - وَلَوْ دَائِمًا وَلِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ - جَائِزٌ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ كَفِسْقٍ
__________
(1) بَدَائِع الصَّنَائِع 2 / 334.
(2) مَوَاهِب الْجَلِيل 4 / 15، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 343، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ 5 / 171 - 172، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 511
(3) حَدِيث: " لاَ يَحِل لِلْمُؤْمِنِ. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِّي 10 / 492) وَمُسْلِم (4 / 1984 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.
الصفحة 297