كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)
وَنَصَّ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ بَعْثَ الْحَكَمَيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الْحَاكِمِ أَوِ الْقَاضِي؛ لأَِنَّ آيَةَ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، فَالْعَمَل بِهَا وَاجِبٌ، وَلأَِنَّهُ مِنْ بَابِ دَفْعِ الظِّلاَمَاتِ، وَهُوَ مِنَ الْفُرُوضِ الْعَامَّةِ عَلَى الْقَاضِي، " قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: صَحَّحَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَال الأَْذْرُعِيُّ: ظَاهِرُ نَصِّ الأُْمِّ الْوُجُوبُ.
وَنَصُّ الأُْمِّ هُوَ: قَال الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا ارْتَفَعَ الزَّوْجَانِ الْمَخُوفُ شِقَاقُهُمَا إِلَى الْحَاكِمِ فَحَقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (1) .
ج - كَوْنُ الْحَكَمَيْنِ مِنْ أَهْل الزَّوْجَيْنِ:
27 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ كَوْنَ الْحَكَمَيْنِ مِنْ أَهْل الزَّوْجَيْنِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ، لَكِنَّهُ الأَْوْلَى لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا وَلأَِنَّهُمَا أَشْفَقُ وَأَعْلَمُ بِالْحَال، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِمَا، لأَِنَّ الْقَرَابَةَ لاَ تُشْتَرَطُ فِي الْحَاكِمِ وَلاَ فِي الْوَكِيل، فَكَانَ الأَْمْرُ بِذَلِكَ إِرْشَادًا وَاسْتِحْبَابًا (2) .
__________
(1) جَوَاهِر اللَّيْل 1 / 328، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 385، ومغني المحتاج 3 / 261، وَالأُْمّ 5 / 194.
(2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 261، وَالمغني 7 / 50، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 211.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ الْحَكَمَانِ مِنْ أَهْل الزَّوْجَيْنِ - حَكَمٌ مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمٌ مِنْ أَهْلِهَا - إِنْ أَمْكَنَ، لأَِنَّ الأَْقَارِبَ أَعْرَفُ بِبَوَاطِنِ الأُْمُورِ، وَأَقْعَدُ بِأَحْوَال الزَّوْجَيْنِ، وَأَطْيَبُ لِلإِْصْلاَحِ، وَنُفُوسُ الزَّوْجَيْنِ أَسْكَنُ إِلَيْهِمَا، فَيُبْرِزَانِ لَهُمَا مَا فِي ضَمَائِرِهِمَا مِنَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَإِرَادَةِ الْفُرْقَةِ أَوِ الصُّحْبَةِ، وَلاَ يَجُوزُ بَعْثُ أَجْنَبِيَّيْنِ مَعَ إِمْكَانِ الأَْهْلَيْنِ، فَإِنْ بَعَثَهُمَا مَعَ الإِْمْكَانِ فَالظَّاهِرُ نَقْضُ حُكْمِهِمَا، لأَِنَّ ظَاهِرَ الآْيَةِ أَنَّ كَوْنَهُمَا مِنْ أَهْلِهِمَا مَعَ الْوِجْدَانِ وَاجِبٌ شَرْطٌ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُمَا مَعًا مِنَ الأَْهْل، بَل وَاحِدٌ فَقَطْ مِنْ أَهْل أَحَدِهِمَا وَالآْخَرُ أَجْنَبِيٌّ فَقَال اللَّخْمِيُّ: يُضَمُّ لأَِهْل أَحَدِهِمَا أَجْنَبِيٌّ، وَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ: يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُمَا أَجْنَبِيَّيْنِ وَتَرْكُ الْقَرِيبِ لأَِحَدِهِمَا، قَال الدُّسُوقِيُّ: لِئَلاَّ يَمِيل الْقَرِيبُ لِقَرِيبِهِ.
وَنَدَبَ كَوْنَهُمَا جَارَيْنِ فِي بَعْثِ الأَْهْلَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ وَالأَْجْنَبِيَّيْنِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ.
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ أَهْلِهِمَا مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَيُرْسِل مِنْ غَيْرِهِمَا (1) .
وَقَال الْجَصَّاصُ: إِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ مِنْ أَهْلِهَا وَالآْخِرُ مِنْ أَهْلِهِ لِئَلاَّ
__________
(1) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ 5 / 175، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 344.
الصفحة 309