كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)

وَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ وَكِيلاَنِ عَنِ الزَّوْجَيْنِ، لاَ يُبْعَثَانِ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا وَتَوْكِيلِهِمَا وَلاَ يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ أَحْمَدَ: إِنَّهُمَا حَاكِمَانِ يَفْعَلاَنِ مَا يَرَيَانِ أَنَّهُ الْمَصْلَحَةُ، وَكَّلَهُمَا الزَّوْجَانِ أَوْ لَمْ يُوكِّلاَهُمَا (2) .
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ تَفْصِيلٌ:
30 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْحَكَمَانِ وَكِيلاَنِ لِلزَّوْجَيْنِ، أَحَدُهُمَا وَكَيْل الْمَرْأَةِ وَالآْخَرُ وَكِيل الزَّوْجِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ بَيْنَهُمَا شِقَاقٌ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَقَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ قَال لِلْحَكَمَيْنِ: تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا أَنْ تَجْمَعَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا أَنْ تُفَرِّقَا، قَالَتِ الْمَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ، قَال الرَّجُل: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلاَ، فَقَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ
__________
(1) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 190، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 385، وَالإِْنْصَاف 8 / 380.
(2) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 2 / 344، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 385، وَالإِْنْصَاف 8 / 381.
عَنْهُ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لاَ يَنْقَلِبُ حَتَّى يُقِرَّ بِمِثْل الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ، فَأَخْبَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ قَوْل الْحَكَمَيْنِ إِنَّمَا يَكُونُ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ.
وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُفَرِّقَا إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الزَّوْجَانِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ خِلاَفَ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَقَرَّ بِالإِْسَاءَةِ إِلَيْهَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى طَلاَقِهَا قَبْل تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ بِالنُّشُوزِ لَمْ يُجْبِرْهَا الْحَاكِمُ عَلَى خُلْعٍ وَلاَ عَلَى رَدِّ مَهْرِهَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُهُمَا قَبْل بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ بَعْثِهِمَا لاَ يَجُوزُ إِيقَاعُ الطَّلاَقِ مِنْ جِهَتِهِمَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ وَتَوْكِيلِهِ وَلاَ إِخْرَاجِ الْمَهْرِ عَنْ مِلْكِهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا، فَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ خُلْعُهُمَا إِلاَّ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ، وَلأَِنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَمْلِكُ التَّفْرِيقَ فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ الْحَكَمَانِ، وَإِنَّمَا هُمَا وَكِيلاَنِ لَهُمَا فِي الْخُلْعِ أَوْ فِي التَّفْرِيقِ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْحَكَمَيْنِ لاَ يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إِلاَّ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ بِالتَّوْكِيل، وَلاَ يَكُونَانِ حَكَمَيْنِ إِلاَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ مَا حَكَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يَخْلَعَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَيُخْرِجَا الْمَال عَنْ مِلْكِهَا وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: وَلاَ يَحِل لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (1)
__________
(1) سُورَة الْبَقَرَة / 229

الصفحة 311