كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)
وَقَال تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (1) ، فَمَنَعَ كُل أَحَدٍ أَنْ يَأْكُل مَال غَيْرِهِ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَقَال عَزَّ وَجَل: وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ (2) فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْحَاكِمَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ أَخْذَ مَال أَحَدٍ وَدَفْعَهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَمْلِكُ أَخْذَ مَالِهَا وَدَفْعَهُ إِلَى زَوْجِهَا، وَلاَ يَمْلِكُ إِقَاعَ طَلاَقٍ عَلَى الزَّوْجِ بِغَيْرِ تَوْكِيلِهِ وَلاَ رِضَاهُ (3) 31 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلْحَكَمَيْنِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَتَفْرِيقُهُمَا جَائِزٌ عَلَى الزَّوْجَيْنِ، وَكَّلَهُمَا الزَّوْجَانِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُوَكِّلاَهُمَا، وَيَكُونُ طَلاَقًا بَائِنًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خُلْعًا بِأَنْ كَانَ بِلاَ عِوَضٍ، وَيُنَفَّذُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ بِهِ بَعْدَ إِيقَاعِهِ - وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلِلزَّوْجَيْنِ الَّذَيْنِ أَقَامَا الْحَكَمَيْنِ بِدُونِ رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ الرُّجُوعُ - وَيُنَفَّذُ حُكْمُ الْحَاكِمَيْنِ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْحَاكِمُ، أَوْ خَالَفَ حُكْمَ قَاضِي الْبَلَدِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَا مُقَامَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ أَمْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ، لأَِنَّ طَرِيقَهُمَا الْحُكْمُ لاَ الشَّهَادَةُ وَلاَ الْوَكَالَةُ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
__________
(1) سُورَة النِّسَاء / 34
(2) سُورَة الْبَقَرَة / 188
(3) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 190 - 191 - 192.
قَال: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (1) ، وَهَذَا نَصٌّ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُمَا قَاضِيَانِ لاَ وَكِيلاَنِ وَلاَ شَاهِدَانِ، وَلِلْوَكِيل اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى، وَلِلْحَكَمِ اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى، فَإِذَا بَيَّنَ اللَّهُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَكَّبَ مَعْنَى أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ - الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي اسْتِدْلاَل الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال لِلْحَكَمَيْنِ: " أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا " فَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ أَوْ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَقُل لَهُمَا: أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ إِنَّمَا كَانَ يَقُول: أَتَدْرِيَانِ بِمَا وُكِّلْتُمَا؟ .
وَلاَ يَلْزَمُ طَلاَقٌ أَوْقَعَهُ الْحَكَمَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُمَا إِيقَاعُ الأَْكْثَرِ ابْتِدَاءً لأَِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَعْنَى الإِْصْلاَحِ الَّذِي بُعِثَا لَهُ فَلِلزَّوْجِ رَدُّ الزَّائِدِ، قَال الآْبِيُّ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلاَ يُفَرِّقَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَهِيَ بَائِنَةٌ فَإِنْ حَكَمَا بِهِ سَقَطَ.
وَإِنْ طَلَّقَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ وَاحِدَةً وَطَلَّقَ الآْخَرُ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا لَزِمَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لاِتِّفَاقِ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْوَاحِدِ.
وَإِنْ طَلَّقَ الْحَكَمَانِ، وَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِ الطَّلاَقِ بِالْمَال لِلزَّوْجِ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوْ كَوْنِهِ بِلاَ مَالٍ، بِأَنْ
__________
(1) سُورَة النِّسَاء / 35
الصفحة 312