كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)
يَكْمُل النُّصْحُ لِلَّهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ بِدُونِ كَمَال الْمَحَبَّةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ (1) .
وَقَال ابْنُ حَجْرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: يُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ لأَِنَّ كُل عَمَلٍ لَمْ يُرِدْ بِهِ عَامِلُهُ الإِْخْلاَصَ فَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ (2) .
مَنْ تَجِبُ لَهُ النَّصِيحَةُ وَمَا تَكُونُ بِهِ:
7 - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: الدِّينُ النَّصِيحَةُ " قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَال: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ (3) .
قَال النَّوَوِيُّ: ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَلاَمًا نَفِيسًا، أَنَا أَضُمُّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، قَالُوا:
أَمَّا النَّصِيحَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَمَعْنَاهَا مُنْصَرِفٌ إِلَى الإِْيمَانِ بِهِ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وَتَرْكِ الإِْلْحَادِ فِي صِفَاتِهِ، وَوَصْفِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَال وَالْجَلاَل كُلِّهَا، وَتَنْزِيهِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ، وَالْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَالْحُبِّ فِيهِ، وَالْبُغْضِ فِيهِ، وَمُوَالاَةِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ
__________
(1) جَامِع الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ 1 / 218.
(2) فَتْح الْبَارِّي 1 / 138.
(3) حَدِيث: " الدِّين النَّصِيحَة ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف 5.
عَصَاهُ، وَجِهَادِ مَنْ كَفَرَ بِهِ، وَالاِعْتِرَافِ بِنِعْمَتِهِ، وَشُكْرِهِ عَلَيْهَا، وَالإِْخْلاَصِ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى جَمِيعِ الأَْوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَالتَّلَطُّفِ بِالنَّاسِ أَوْ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ عِلْمُهَا، قَال الْخَطَّابِيُّ: حَقِيقَةُ هَذِهِ الإِْضَافَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَبْدِ فِي نُصْحِهِ نَفْسَهُ فَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ النَّاصِحِ (1) .
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِكِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَتَكُونُ بِالإِْيمَانِ بِأَنَّهُ كَلاَمُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيلُهُ، لاَ يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ الْخَلْقِ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ تَعْظِيمُهُ وَتِلاَوَتُهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، وَتَحْسِينُهَا وَالْخُشُوعُ عِنْدَهَا، وَإِقَامَةُ حُرُوفِهِ فِي التِّلاَوَةِ، وَالذَّبُّ عَنْ تَأْوِيل الْمُحَرِّفِينَ وَتَعَرُّضِ الطَّاغِينَ، وَالتَّصْدِيقُ بِمَا فِيهِ، وَالْوُقُوفُ مَعَ أَحْكَامِهِ، وَتَفَهُّمُ عُلُومِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَالاِعْتِبَارُ بِمَوَاعِظِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي عَجَائِبِهِ، وَالْعَمَل بِمُحْكَمِهِ وَالتَّسْلِيمُ لِمُتَشَابِهِهِ، وَالْبَحْثُ عَنْ عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَنَشْرُ عُلُومِهِ، وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَصِيحَتِهِ (2) .
__________
(1) شَرْح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ 1 / 397، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ لِطُرُقِ رِيَاض الصَّالِحِينَ 1 / 459، وَفَتْح الْبَارِّي 1 / 138، وَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ 4 / 742، وَالنِّهَايَة فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالأَْثَر لاِبْنِ الأَْثِيرِ ط دَار الْفِكْرِ - بَيْرُوت.
(2) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
الصفحة 327