كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)

الْحَاجَةُ إِلَى النَّصِيحَةِ:
8 - الْمُسْلِمُ بِحَاجَةٍ إِلَى نُصْحِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، قَال الْغَزَالِيُّ: لأَِنَّهُ يَرَى مِنْهُ مَا لاَ يَرَى مِنْ نَفْسِهِ، فَيَسْتَفِيدُ مِنْ أَخِيهِ مَعْرِفَةَ عُيُوبِ نَفْسِهِ، وَلَوِ انْفَرَدَ لَمْ يَسْتَفِدْ، كَمَا يَسْتَفِيدُ بِالْمِرْآةِ الْوُقُوفَ عَلَى عُيُوبِ صُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ (1) ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ (2) .
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَسْتَهْدِي ذَلِكَ مِنْ إِخْوَانِهِ، وَيَقُول: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَى أَخِيهِ عُيُوبَهُ، وَقَال لِسَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَدْ قَدِمَ عَلَيْهِ: مَا الَّذِي بَلَغَكَ عَنِّي مِمَّا تَكْرَهُ؟ فَاسْتَعْفَى، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَقَال: بَلَغَنِي أَنَّ لَكَ حُلَّتَيْنِ تَلْبِسُ إِحْدَاهُمَا بِالنَّهَارِ وَالأُْخْرَى بِاللَّيْل، وَبَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ بَيْنَ إِدَامَيْنِ عَلَى مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَمَّا هَذَانِ فَقَدْ
__________
(1) حَدِيث: " الْمُؤْمِن مِرْآة الْمُؤْمِن. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (5 / 217 ط حِمْص) وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْكُبْرَى (8 / 167 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَال المناوي فِي فَيْض الْقَدِير (6 / 252 ط التِّجَارِيَّة الْكُبْرَى) : إِسْنَادُهُ حَسَن.
(2) حَدِيث: " إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآة أَخِيهِ. . . ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (4 / 326 ط الْحَلَبِيّ) ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ شُعْبَة ضَعْف أَحَد رُوَاته.
كَفَيْتُهُمَا فَهَل بَلَغَكَ غَيْرُهُمَا؟ فَقَال: لاَ (1) .
وَقَدْ قَال الْمُنَاوِيُّ: مَنْ قَبِل النَّصِيحَةَ أَمِنَ الْفَضِيحَةَ وَمَنْ يَأْبَى فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ، وَقَال الْغَزَالِيُّ: وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَاذِبِينَ بِبُغْضِهِمْ لِلنَّاصِحِينَ (2) إِذْ قَال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (3) .

الإِْسْرَارُ بِالنَّصِيحَةِ:
9 - قَال الْعُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النَّصِيحَةُ فِي سِرٍّ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، بِأَنْ يَنْصَحَ النَّاصِحُ لِلْمَنْصُوحِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلاَ يُطْلِعَ عَلَى عَيْبِهِ أَحَدًا، لأَِنَّ نَصَائِحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي آذَانِهِمْ، وَمَا كَانَ عَلَى الْمَلأَِ فَهُوَ تَوْبِيخٌ وَفَضِيحَةٌ وَمَا كَانَ فِي السِّرِّ فَهُوَ شَفَقَةٌ وَنَصِيحَةٌ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ وَمَنْ وَعَظَهُ عَلاَنِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ.
وَقَال الْغَزَالِيُّ: اللَّهُ تَعَالَى يُعَاتِبُ الْمُؤْمِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ كَنَفِهِ فِي ظِل سَتْرِهِ، فَيُوقِفُهُ عَلَى ذُنُوبِهِ سِرًّا، وَقَدْ يُدْفَعُ كِتَابُ عَمَلِهِ مَخْتُومًا إِلَى
__________
(1) إِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ لِلْغَزَالِيِّ 2 / 182 - 183.
(2) فَيْض الْقَدِير 3 / 556، وَإِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ 2 / 183.
(3) سُورَة الأَْعْرَاف / 79

الصفحة 329