كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)
عُدَّةُ النَّاصِحِ:
11 - نَقَل الْمَنَاوِيُّ أَنَّ النَّاصِحَ يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ كَبِيرٍ كَثِيرٍ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَوَّلاً إِلَى عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْعِلْمُ الْعَامُّ الْمُتَضَمِّنُ لأَِحْوَال النَّاسِ، وَعِلْمِ الزَّمَانِ، وَعِلْمِ الْمَكَانِ، وَعِلْمِ التَّرْجِيحِ إِذَا تَقَابَلَتِ الأُْمُورُ فَيَفْعَل بِحَسَبِ الأَْرْجَحِ عِنْدَهُ، وَهَذَا يُسَمَّى عِلْمَ السِّيَاسَةِ، فَإِنَّهُ يَسُوسُ بِذَلِكَ النُّفُوسَ الْجَمُوحَةَ الشَّارِدَةَ عَنْ طَرِيقِ مَصَالِحِهَا، فَلِذَلِكَ قَالُوا: يَحْتَاجُ النَّاصِحُ إِلَى عِلْمٍ وَعَقْلٍ وَفِكْرٍ صَحِيحٍ وَرُؤْيَةٍ حَسَنَةٍ وَاعْتِدَال مِزَاجٍ وَتُؤَدَةٍ وَتَأَنٍّ، فَإِنْ لَمْ تُجْمَعْ هَذِهِ الْخِصَال فَخَطَؤُهُ أَسْرَعُ مِنْ إِصَابَتِهِ فَلاَ يَنْصَحُ (1) .
النَّصِيحَةُ مِنْ مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ:
12 - قَال الْمَنَاوِيُّ: بِالنَّصِيحَةِ يَحْصُل التَّحَابُبُ وَالاِئْتِلاَفُ، وَبِضِدِّهَا يَكُونُ التَّبَاغُضُ وَالاِخْتِلاَفُ، وَأَقْصَى مُوجِبَاتِ التَّحَابُبِ أَنْ يَرَى الإِْنْسَانُ لأَِخِيهِ مَا يَرَاهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ نَقَل قَوْل الْعُلَمَاءِ: مَا فِي مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ أَدَقُّ وَلاَ أَخْفَى وَلاَ أَعْظَمُ مِنَ النَّصِيحَةِ (2) .
وَقَال ابْنُ عُلَيَّةَ فِي قَوْل أَبِي بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ: مَا فَاقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ وَلَكِنْ بِشَيْءٍ كَانَ فِي قَلْبِهِ،
__________
(1) فيض القدير 6 / 268
(2) فيض القدير 6 / 268
قَال: الَّذِي كَانَ فِي قَلْبِهِ الْحُبُّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَل، وَالنَّصِيحَةُ فِي خَلْقِهِ.
وَقَال الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ: مَا أَدْرَكَ عِنْدَنَا مَنْ أَدْرَكَ بِكَثْرَةِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ عِنْدَنَا بِسَخَاءِ الأَْنْفُسِ وَسَلاَمَةِ الصَّدْرِ وَالنُّصْحِ لِلأُْمَّةِ (1) .
وَقَال الْحَسَنُ: قَال بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ شِئْتُمْ لأَُقْسِمَنَّ لَكُمْ بِاللَّهِ أَنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ. . . الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ، وَيُحَبِّبُونَ عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ بِالنَّصِيحَةِ (2) .
النَّصِيحَةُ لِلْغَائِبِ:
13 - لاَ يُقَصَّرُ حَقُّ الْمُسْلِمِ فِي النُّصْحِ عَلَى حُضُورِهِ، بَل إِنَّ حَقَّهُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي النُّصْحِ يَمْتَدُّ إِلَى غِيَابِهِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ. . . وَذَكَرَ مِنْهَا: يَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ (3) .، قَال ابْنُ رَجَبٍ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ فِي غَيْبِهِ بِالسُّوءِ أَنْ يَنْصُرَهُ وَيَرُدَّ عَنْهُ، وَإِذَا رَأَى مَنْ يُرِيدُ أَذَاهُ فِي غَيْبِهِ كَفَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ النُّصْحَ فِي الْغَيْبِ يَدُل
__________
(1) جامع العلوم والحكم 1 / 225
(2) جامع العلوم والحكم 1 / 224
(3) حديث: للمؤمن على المؤمن ست خصال. . . أخرجه الترمذي (5 / 80 - 81 ط الحلبي) والنسائي (4 / 53 ط التجارية الكبرى) وقال الترمذي: حسن صحيح.
الصفحة 331