كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 40)

وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ أَيْضًا وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُول.
أَمَّا السُّنَّةُ فَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ (1) ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ (2) ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَةِ الْعِيدِ أَتَى إِلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِِِِِِِِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلاَلٌ إِلَى بَيْتِِِهِ (3) .
وَمِنَ الْمَعْقُول اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النِّسَاءَ لَوْ مُنِعْنَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الرِّجَال مُطْلَقًا لَوَجَبَ عَلَى الرِّجَال الْحِجَابُ كَمَا وَجَبَ عَلَى النِّسَاءِ، وَلأَِنَّ مَا لَيْسَ
__________
(1) حَدِيث: (اعْتُدِيَ عِنْدَ ابْنِ أُمٍّ مَكْتُومٍ. . . .) أَخْرَجَهُ مُسْلِم (2 / 1116 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
(2) حَدِيث عَائِشَة: رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ. . . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي 6 / 553 ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (2 / 608 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(3) حَدِيث ابْن عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَةِ الْعِيدِ. . . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي 2 / 465 ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (2 / 602 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) .
بِعَوْرَةٍ يَسْتَوِي فِي حُكْمِ النَّظَرِ إِلَيْهِ الرِّجَال وَالنِّسَاءُ مَادَامَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ، فَكَانَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الرَّجُل مَا لَيْسَ عَوْرَةً، كَمَا لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ الصَّلاَةَ مَعَ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَقَعَ نَظَرُهُنَّ إِلَى الرِّجَال، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُنَّ بِحُضُورِ الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى (1) . .
الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ حُكْمُهُ كَحُكْمِ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى مَحَارِمِهِ، فَيَحِل لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الرَّجُل إِلَى مِثْل مَا يَحِل لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى مَا عَدَا ذَلِكَ، وَذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْل الْحَنَفِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ (وَهِيَ رِوَايَةُ الأَْصْل لِمُحَمَّدٍ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْقَوْل، وَهُوَ أَنَّهُ يَحِل لَهَا النَّظَرُ إِلَى مَا يَبْدُو مِنْهُ فِي الْمِهْنَةِ.
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل أَنَّ حُكْمَ النَّظَرِ عِنْدَ اخْتِلاَفِ
__________
(1) الْمَبْسُوط 10 / 480، وَالْهِدَايَة وَشُرُوحهَا 15 / 33 - 35 وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 9 / 533 - 534، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 5 / 327، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 538، 539، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 18، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 194، 195، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 7 / 21 وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 130، وَزَاد الْمُحْتَاجِ 3 / 174، 175، وَالْمُبْدِع 7 / 11، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى 5 / 15، 16، وَالإِْنْصَاف 8 25.

الصفحة 356