كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 41)

وَالاِسْتِدْلاَل مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَضَافَ النِّكَاحَ إِلَيْهِنَّ فَيَدُل عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ بِعِبَارَتِهِنَّ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْوَلِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَهَى الأَْوْلِيَاءَ عَنِ الْمَنْعِ عَنْ نِكَاحِهِنَّ أَنْفُسَهُنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ إِذَا تَرَاضَى الزَّوْجَانِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَصَوُّرَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ " (1) ، وَهَذَا قَطْعُ وِلاَيَةِ الْوَلِيِّ عَنْهَا، وَوَرَدَ عَنْهُ أَيْضًا عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا " (2) ، وَالأَْيِّمُ اسْمٌ لاِمْرَأَةٍ لاَ زَوْجَ لَهَا. وَأَمَّا الاِسْتِدْلاَل فَهُوَ أَنَّهَا لَمَّا بَلَغَتْ عَنْ عَقْلٍ وَحُرِّيَّةٍ صَارَتْ وَلِيَّةَ نَفْسِهَا فِي النِّكَاحِ فَلاَ تَبْقَى مُوَلَّيًا عَلَيْهَا كَالصَّبِيِّ الْعَاقِل إِذَا بَلَغَ، وَالْجَامِعُ أَنَّ وِلاَيَةَ الإِْنْكَاحِ إِنَّمَا ثَبَتَتْ لِلأَْبِ عَلَى الصَّغِيرَةِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْهَا شَرْعًا، لِكَوْنِ النِّكَاحِ تَصَرُّفًا نَافِعًا مُتَضَمِّنًا مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَحَاجَتُهَا إِلَيْهِ حَالاً وَمَآلاً، وَكَوْنِهَا عَاجِزَةً عَنْ إِحْرَازِ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا وَكَوْنِ الأَْبِ
__________
(1) حديث: " ليس للولي مع الثيب أمر ". أخرجه أبو داود (2 / 578، 579 ط حمص) ، والنسائي (6 / 85 ط التجارية الكبرى)
(2) حديث: " الأيم أحق بنفسها من وليها ". أخرجه مسلم (2 / 1037 ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عباس رضي الله عنهم
قَادِرًا عَلَيْهِ، وَبِالْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ زَال الْعَجْزُ حَقِيقَةً وَقَدَرَتْ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهَا حَقِيقَةً، فَتَزُول وِلاَيَةُ الْغَيْرِ عَنْهَا وَثَبَتَتِ الْوِلاَيَةُ لَهَا، لأَِنَّ النِّيَابَةَ الشَّرْعِيَّةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ نَظَرًا فَتَزُول بِزَوَال الضَّرُورَةِ، وَإِذَا صَارَتْ وَلِيَّ نَفْسِهَا فِي النِّكَاحِ لاَ تَبْقَى مُوَلَّيًا عَلَيْهَا بِالضَّرُورَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الاِسْتِحَالَةِ (1) وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ أَنَّهُ إِنْ عَقَدَتْ مَعَ كُفْءٍ جَازَ وَمَعَ غَيْرِهِ لاَ يَصِحُّ، وَاخْتِيرَتْ لِلْفَتْوَى، لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ كَمٌّ وَاقِعٌ لاَ يُرْفَعُ، وَلَيْسَ كُل وَلِيٍّ يُحْسِنُ الْمُرَافَعَةَ وَالْخُصُومَةَ، وَلاَ كُل قَاضٍ يَعْدِل، وَلَوْ أَحْسَنَ الْوَلِيُّ وَعَدَل الْقَاضِي فَقَدْ يُتْرَكُ أَنَفَةً لِلتَّرَدُّدِ عَلَى أَبْوَابِ الْحُكَّامِ، وَاسْتِثْقَالاً لِنَفْسِ الْخُصُومَاتِ، فَيَتَقَرَّرُ الضَّرَرُ، فَكَانَ مَنْعُهُ دَفْعًا لَهُ، وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ عَدَمُ الصِّحَّةِ الْمُفْتَى بِهِ بِمَا إِذَا كَانَ لَهَا أَوْلِيَاءُ أَحْيَاءُ، لأَِنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَا وُجِّهَتْ بِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ دَفْعًا لِضَرَرِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَقَرَّرُ لِمَا ذَكَرْنَا، أَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى حَقِّهَا فَقَدْ سَقَطَ بِرِضَاهَا بِغَيْرِ الْكُفْءِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ: لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا إِذَا كَانَ لَهَا وَلِيٌّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ مِنَ الْكُفْءِ لاَ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا مِنَ الْكُفْءِ وَغَيْرِهِ، قَال الْكَمَال:
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 248.

الصفحة 249