كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 41)

وَالْخُرُوجُ إِلَى مَحْفَل الرِّجَال مِنَ النِّسَاءِ عَيْبٌ فِي الْعَادَةِ، فَكَانَ عَجْزُهَا عَجْزَ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ لاَ حَقِيقَةٍ، فَثَبَتَتِ الْوِلاَيَةُ عَلَيْهَا عَلَى حَسَبِ الْعَجْزِ، وَهِيَ وِلاَيَةُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ لاَ وِلاَيَةَ حَتْمٍ وَإِيجَابٍ إِثْبَاتًا لِلْحُكْمِ عَلَى قَدْرِ الْعِلَّةِ.
وَأَمَّا طَرِيقُ مُحَمَّدٍ فَهُوَ أَنَّ الثَّابِتَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وِلاَيَةُ الشَّرِكَةِ لاَ وِلاَيَةُ الاِسْتِبْدَادِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الرِّضَا كَمَا فِي الثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ (1) .
وَإِذَا كَانَ الرِّضَا فِي نِكَاحِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ شَرْطَ الْجَوَازِ فَإِنَّهَا إِذَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهَا تَوَقَّفَ التَّزْوِيجُ عَلَى رِضَاهَا، فَإِنْ رَضِيَتْ جَازَ، وَإِنْ رَدَّتْ بَطَل.
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ - كَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ - بَيْنَ مَا يُعْرَفُ بِهِ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ مِنَ الثَّيِّبِ، وَمَا يُعْرَفُ بِهِ مِنَ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي يُرَادُ تَزْوِيجُهَا ثَيِّبًا فَرِضَاهَا يُعْرَفُ بِالْقَوْل تَارَةً وَبِالْفِعْل أُخْرَى، أَمَّا الْقَوْل فَهُوَ التَّنْصِيصُ عَلَى الرِّضَا وَمَا يَجْرِى مَجْرَاهُ، وَالأَْصْل فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الثَّيِّبُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا " (2) ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 242.
(2) حديث: " الثيب تستأمر في نفسها ". أخرجه أحمد (2 / 425 ط الميمنية) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأصله في الصحيحين
نَفْسِهَا " (1) ، وَأَمَّا الْفِعْل نَحْوَ التَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهَا، وَالْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّ هَذَا دَلِيل الرِّضَا، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالنَّصِّ مَرَّةً وَبِالدَّلِيل أُخْرَى، وَالأَْصْل فِيهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال لِبَرِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: " إِنْ وَطَأَكِ فَلاَ خِيَارَ لَكِ " (2) .
وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا فَيُعْرَفُ رِضَاهَا بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ، وَبِثَالِثٍ وَهُوَ السُّكُوتُ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَكُونَ سُكُوتُهَا رِضًا.
وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَال: نَعَمْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي فَتَسْكُتُ، فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُكَاتُهَا إِذْنُهَا " وَرُوِيَ: " سُكُوتُهَا رِضَاهَا " وَرُوِيَ: " سُكُوتُهَا إِقْرَارُهَا " (3) ، وَكُل ذَلِكَ
__________
(1) حديث: (الثيب تعرب عن نفسها ". أخرجه ابن ماجه (1 / 602 ط عيسى الحلبي) ، وأحمد (4 / 192ط الميمنية) من حديث عدي بن عميرة الكندي - رضي الله عنه - قال البوصيري: رجاله ثقات إلا أنه منقطع. (1 / 330 ط دار الجنان) .
(2) حديث: " إن وطئك فلا خيار لك ". أخرجه الدارقطني (3 / 294 ط دار المحاسن) .
(3) حديث: " يستأمر النساء في أبضاعهن ". سبق تخريجه ف (82) . وأما رواية " سكوتها رضاها " فذكرها السيوطي في الجامع الكبير (2 / 702 ط الهيئة العامة للكتاب) وعزاها للضياء المقدسي من حديث أبي هريرة، وأما رواية: " سكوتها إقرارها أفأخرجها ابن أبي شيبة (المصنف 4 / 136ط السلفية) من حديث عائشة

الصفحة 268