كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 41)
فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ -: لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ لِخَبَرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا " لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ " (1) ، وَالْمَعْنَى فِي اعْتِبَارِهِمَا الاِحْتِيَاطُ لِلأَْبْضَاعِ، وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الْوَلَدُ، فَاشْتُرِطَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ لِئَلاَّ يَجْحَدَهُ أَبُوهُ فَيَضِيعَ نَسَبُهُ، وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى دَفْعِ تُهْمَةِ الزِّنَا عَنِ الزَّوْجَةِ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالدُّخُول، وَلاَ تَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالشُّهُودِ لِظُهُورِ النِّكَاحِ وَاشْتِهَارِهِ بِقَوْل الشُّهُودِ.
غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ يَرَوْنَهُ شَرْطًا، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ رُكْنٌ (2) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، وَذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي الْمُقْنِعِ وَجَمَاعَةٌ.
__________
(1) حديث: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان 9 / 386 ط مؤسسة الرسالة) ، والبيهقي في السنن الكبرى (7 / 124ط دار المعارف العثمانية) .
(2) بدائع الصنائع 2 / 253، ومغني المحتاج 3 / 144، ومطالب أولي النهى 5 / 81.
وَقَيَّدَ الْمَجْدُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الأَْصْحَابِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكْتُمُوهُ فَمَعَ الْكَتْمِ تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا (1) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الإِْشْهَادُ عَلَى النِّكَاحِ وَاجِبٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ لأَِنَّ مَاهِيَّةَ الْعَقْدِ لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ عَقْدِ النِّكَاحِ، بَل هُوَ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ، مَخَافَةَ أَنَّ كُل اثْنَيْنِ - رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ - اجْتَمَعَا فِي خَلْوَةٍ عَلَى فَسَادٍ يَدَّعِيَانِ سَبْقَ عَقْدٍ بِلاَ إِشْهَادٍ فَيُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ حَدِّ الزِّنَا.
وَأَصْل الإِْشْهَادِ عَلَى النِّكَاحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَاجِبٌ، وَكَوْنُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ، فَإِنْ حَصَل الإِْشْهَادُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ حَصَل الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، وَإِنْ فُقِدَ عِنْدَ الْعَقْدِ وَوُجِدَ عِنْدَ الدُّخُول فَقَدْ حَصَل الْوَاجِبُ وَفَاتَ الْمَنْدُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُل عِنْدَ الْعَقْدِ كَانَ وَاجِبًا عِنْدَ الْبِنَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شُهُودٌ أَصْلاً وَحَصَل الدُّخُول بِلاَ إِشْهَادٍ عَلَى النِّكَاحِ فُسِخَ الْعَقْدُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الْفَسْخُ بِطَلْقَةٍ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ بِدُونِ الإِْشْهَادِ عَلَيْهِ، وَكَانَ بِبَائِنَةٍ لأَِنَّهُ فَسْخٌ جَبْرِيٌّ مِنَ الْحَاكِمِ (2) .
__________
(1) الإنصاف 8 / 102، والمغني 6 / 451.
(2) الشرح الصغير والصاوي 2 / 339، والشرح الكبير والدسوقي 2 / 216، 220.
الصفحة 295