كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 41)
بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَذَا هَذَا (1) .
وَكُل نِكَاحٍ جَازَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ - وَهُوَ الَّذِي اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَ الْجَوَازِ - فَهُوَ جَائِزٌ بَيْنَ أَهْل الذِّمَّةِ، وَأَمَّا مَا فَسَدَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الأَْنْكِحَةِ فَإِنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ فِي حَقِّهِمْ: مِنْهَا مَا يَصِحُّ وَمِنْهَا مَا يَفْسُدُ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَهَذَا قَوْل أَصْحَابِنَا الثَّلاَثَةِ، وَقَال زُفَرُ: كُل نِكَاحٍ فَسَدَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَسَدَ فِي حَقِّ أَهْل الذِّمَّةِ حَتَّى لَوْ أَظْهَرُوا النِّكَاحَ بِغَيْرِ شُهُودٍ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ، وَيُحْمَلُونَ عَلَى أَحْكَامِنَا، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْنَا، وَكَذَا إِذَا أَسْلَمُوا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا: لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ تَحَاكَمَا إِلَيْنَا أَوْ أَسْلَمَا، بَل يُقَرَّانِ عَلَيْهِ.
وَجْهُ قَوْل الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ: أَنَّنَا أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ إِلاَّ مَا اسْتَثْنَى مِنْ عُقُودِهِمْ كَالزِّنَا، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَثْنًى فَيَصِحُّ فِي حَقِّهِمْ.
وَوَجْهُ قَوْل زُفَرَ: أَنَّهُمْ لَمَّا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَقَدِ الْتَزَمُوا أَحْكَامَنَا، وَرَضُوا بِهَا (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ طَلَّقَ الْكَافِرُ زَوْجَتَهُ ثَلاَثًا ثُمَّ أَسْلَمَا مِنْ غَيْرِ مُحَلِّلٍ لَمْ تَحِل بِهِ إِلاَّ
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 272، ومواهب الجليل 3 / 478، والدسوقي 2 / 267، ومغني المحتاج 3 / 193، ومطالب أولي النهى 5 / 155.
(2) بدائع الصنائع 2 / 310، 311.
بِمُحَلِّلٍ، لأَِنَّا إِنَّمَا نَعْتَبِرُ حُكْمَ الإِْسْلاَمِ، أَمَّا إِذَا تَحَلَّلَتْ فِي الْكُفْرِ فَيَكْفِي فِي الْحِل (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: حُكْمُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ كَنِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، مِنْ نَحْوِ نَفَقَةٍ، وَقَسْمٍ، وَمَهْرٍ، وَصِحَّةِ إِيلاَءٍ، وَوُقُوعِ طَلاَقٍ وَخُلْعٍ، وَإِبَاحَةٍ لِزَوْجَةِ أَوَّل إِذَا كَانَ الأَْوَّل طَلَّقَهَا ثَلاَثًا وَكَانَ الثَّانِي وَطِئَهَا، وَإِحْصَانٍ إِذَا وَطِئَهَا، لأَِنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَحَارِمِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ طَلَّقَ كَافِرٌ زَوْجَتَهُ ثَلاَثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْل وَطْءِ زَوْجٍ آخَرَ لَهَا لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَقَل مِنْ ثَلاَثٍ ثُمَّ أَسْلَمَا فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلاَقِهَا، لَكِنْ يُقَرُّ الْكُفَّارُ عَلَى أَنْكِحَةٍ مُحَرَّمَةٍ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا وَلَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا، لأَِنَّ مَا لاَ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ، فَلاَ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ.
فَإِنْ أَتَانَا الْكُفَّارُ قَبْل عَقْدِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمْ عَقَدْنَاهُ عَلَى حُكْمِنَا كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَتَوْنَا بَعْدَهُ مُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمِينَ، أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ عَلَى نِكَاحٍ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُبَاحُ لِلزَّوْجِ عِنْدَ الإِْتْيَانِ إِلَيْنَا أُقِرَّا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ لاَ تُبَاحُ عِنْدَئِذٍ
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 193، 195، وتحفة المحتاج 7 / 333، ونهاية المحتاج 2 / 292.
الصفحة 320