كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 41)
وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ السِّرِّ هُوَ مَا لَمْ يَحْضُرْهُ الشُّهُودُ، أَمَّا مَا حَضَرَهُ شَاهِدَانِ فَهُوَ نِكَاحُ عَلاَنِيَةٍ لاَ نِكَاحَ السِّرِّ، إِذِ السِّرُّ إِذَا جَاوَزَ اثْنَيْنِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ سِرًّا، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّتِهِ بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بَوْلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (1) ، مَفْهُومُهُ انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الإِْظْهَارُ، وَلأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يُشْتَرَطْ إِظْهَارُهُ كَالْبَيْعِ.
وَأَخْبَارُ الإِْعْلاَنِ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ مِثْل: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ (2) ، يُرَادُ بِهَا الاِسْتِحْبَابُ، بِدَلِيل أَمْرِهِ فِيهَا بِالضَّرْبِ بِالدُّفِّ وَالصَّوْتِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَهُوَ الإِْعْلاَنُ. أَوْ يُحْمَل الأَْمْرُ بِالإِْعْلاَنِ فِي النِّكَاحِ عَلَى أَنْ يَكُونَ إِعْلاَنُهُ بِالشَّهَادَةِ، وَكَيْفَ يَكُونُ مَكْتُومًا مَا شَهِدَ بِهِ شُهُودٌ، أَمْ كَيْفَ يَكُونُ مُعْلَنًا مَا خَلاَ مِنْ بَيِّنَةٍ وَشُهُودٍ؟
__________
(1) حَدِيث: " لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بَوْلِي وَشَاهِدِي عَدَل ". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ (7 / 125 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة، وَقَال المناوي فِي فَيْض الْقَدِير (6 / 438) : قَال الذَّهَبِيّ فِي الْمُهَذَّبِ: إِسْنَادُهُ صَحِيح
(2) حَدِيث: " أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاح وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (3 / 389 - 390 ط الْحَلَبِيّ) ، ثُمَّ قَال التِّرْمِذِيّ عَنْ أَحَدِ رُوَاته وَهُوَ عِيسَى بْن مَيْمُون: يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ
وَلأَِنَّ إِعْلاَنَ النِّكَاحِ وَالضَّرْبَ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لاَعْتُبِرَ حَالَةَ الْعَقْدِ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.
وَأَمَّا نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ فَالْمُرَادُ بِهِ النِّكَاحُ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْهُ الشُّهُودُ بِدَلِيل " أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِنِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إِلاَّ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَقَال: هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ، وَلاَ أُجِيزُهُ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ " (1) . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَهُمْ فِي حَقِيقَةِ نِكَاحِ السِّرِّ طَرِيقَتَانِ:
الأُْولَى: طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ وَهِيَ اسْتِكْتَامُ غَيْرِ الشُّهُودِ كَمَا لَوْ تَوَاصَى الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ عَلَى كَتْمِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى الشُّهُودَ بِذَلِكَ أَمْ لاَ.
الثَّانِيَةُ: طَرِيقَةُ ابْنِ عَرَفَةَ وَهِيَ مَا أَوْصَى الشُّهُودَ عَلَى كَتْمِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى غَيْرَهُمْ عَلَى كَتْمِهِ أَمْ لاَ.
وَلاَ بُدَّ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي هُوَ الزَّوْجَ سَوَاءٌ انْضَمَّ لَهُ غَيْرُهُ كَالزَّوْجَةِ أَمْ لاَ.
__________
(1) أَثَر عُمَر: " أَنَّهُ أَتَى بِنِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ، إِلاَّ رَجُل وَامْرَأَة ". أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (2 / 535 ط الْحَلَبِيّ)
الصفحة 353