كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 41)

بَاذِلاً إِنْ تَرَفَّعَ أَوْ مُقِرًّا إِنْ تَوَرَّعَ، لأَِنَّ التَّرَفُّعَ أَوِ التَّوَرُّعَ إِنَّمَا يَحِل إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ (1) . وَبِأَنَّ الدَّعْوَى لَمَّا صَحَّتْ مِنَ الْمُدَّعِي، فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُخَيَّرُ بَيْنَ بَذْل الْمَال وَبَيْنَ الْيَمِينِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُمَا - وَأَحَدُهُمَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ دُونَ الآْخَرِ - نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِيمَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ، وَهَذَا لأَِنَّ تَمْكِينَهُ مِنَ الْمُنَازَعَةِ شَرْعًا مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَحْلِفَ، فَإِذَا أَبَى ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ تَارِكًا لِلْمُنَازَعَةِ بِتَفْوِيتِ شَرْطِهَا، فَكَأَنَّهُ قَال: لاَ أُنَازِعُكَ فِي هَذَا الْمَال، فَيَتَمَكَّنُ الْمُدَّعِي مِنْ أَخْذِهِ، لأَِنَّهُ يَدَّعِيهِ وَلاَ مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ (2) . وَبِأَنَّ الْيَمِينَ بَيِّنَةٌ فِي الْمَال، فَحُكِمَ فِيهَا بِالنُّكُول، كَمَا لَوْ مَاتَ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ فَوَجَدَ الإِْمَامُ فِي تَذْكِرَتِهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ فَطَالَبَهُ بِهِ، فَأَنْكَرَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْيَمِينَ، فَنَكَل، فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْيَمِينَ لاَ تُرَدُّ (3) .

6 - الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُقْضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ قَضَى لَهُ بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ، وَإِنْ نَكَل انْقَطَعَتِ الْمُنَازَعَةُ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ بَعْضِهِمْ فِي الدَّعَاوَى الَّتِي يُقْضَى بِهِ فِيهَا.
__________
(1) الْعِنَايَة 6 / 158، 159
(2) الْمَبْسُوط 17 / 35
(3) الْمُغْنِي 9 / 236
رُوِيَ هَذَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الأَْسْوَدِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَوْلاَنِ فِي ذَلِكَ، أَحَدُهُمَا: رَدُّ الْيَمِينِ مُطْلَقًا عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُتَّهَمًا رَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. وَالْقَوْل بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ، وَهِيَ الَّتِي يَدَّعِي فِيهَا الْمُدَّعِي عِلْمَهُ بِصِفَةِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ وَقَدْرِهِ، بِأَنْ يَقُول لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَتَحَقَّقُ أَنَّ لِي عِنْدَكَ دِينَارًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا، إِذَا نَكَل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْحَلِفِ فِي الدَّعْوَى الْمَالِيَّةِ، أَوْ تِلْكَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الْمَال، كَالْخِيَارِ وَالأَْجَل، إِذَا لَمْ يُقِرَّ بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ، وَلَمْ تَكُنْ لِلطَّالِبِ بَيِّنَةٌ بِحَقِّهِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ فِي نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى التُّهْمَةِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْيَمِينَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُول الْمُدَّعَى

الصفحة 365