كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 41)
بِهَا فَنَكَل عَنِ الْيَمِينِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ لأَِنَّ الْيَمِينَ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ حَقٌّ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ لاَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الدِّيَةُ، بِدَلِيل أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ، وَلِهَذَا قَال الْحَارِثُ بْنُ الأَْزْمَعِ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَتُحَلِّفُنَا وَتُغَرِّمُنَا؟ فَقَال: نَعَمْ " (1) .
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَال: فَبِمَ يَبْطُل دَمُ هَذَا؟ " (2) فَإِذَا كَانَتْ مَقْصُودَةً بِنَفْسِهَا فَمَنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ حَقٍّ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الأَْدَاءِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ، كَمَنِ امْتَنَعَ عَنْ قَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ، بِخِلاَفِ الْيَمِينِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً بِنَفْسِهَا بَل هِيَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْمَال الْمُدَّعَى، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، بَل إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَرِئَ، أَوَلاَ تَرَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُقِرَّ وَبَذَل الْمَال لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَهَهُنَا لَوْ لَمْ يَحْلِفُوا وَلَمْ يُقِرُّوا وَبَذَلُوا الدِّيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ فَدَل أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا فَيُجْبَرُونَ عَلَيْهَا بِالْحَبْسِ (3) .
__________
(1) أَثَر: " أَتُحَلِّفُنَا وَتُغَرِّمُنَا؟ . . . ". أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة فِي الْمُصَنَّفِ (9 / 381 - نَشْر الدَّار السَّلَفِيَّة - بمبي)
(2) أَثَر عُمَر: " فَبِمَ يُبْطِل دَم هَذَا؟ ". أَوْرَدَهُ الْعَيْنِيّ فِي الْبِنَايَةِ (10 / 341 ط دَار الْفِكْرِ) وَعَزَاهُ إِلَى الْكَرْخِيّ فِي مُخْتَصَرِهِ
(3) الْبَدَائِع 10 / 4742، 4743، وَالْفُرُوع 6 / 479
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ نَكَل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْقَسَامَةِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَمُوتَ فِي السِّجْنِ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَفِي الْجَلاَّبِ: إِنْ طَال حَبْسُهُ بِالزِّيَادَةِ عَنْ سَنَةٍ ضُرِبَ مِائَةً وَأُطْلِقَ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَرِّدًا وَإِلاَّ خُلِّدَ فِي السِّجْنِ. وَفِي وَجْهٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسَائِل الَّتِي يُتَعَذَّرُ فِيهَا رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالَّتِي مِنْهَا: مَا إِذَا مَاتَ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ فَادَّعَى الْقَاضِي أَوْ مَنْصُوبُهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ وَجَدَهُ فِي تَذْكِرَتِهِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَكَل عَنِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ بِالْحَقِّ أَوْ يَحْلِفَ، وَمِنْهَا: مَا لَوِ ادَّعَى وَصِيُّ الْمَيِّتِ عَلَى وَارِثِهِ أَنَّ الْمُوَرِّثَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ مَثَلاً فَأَنْكَرَ الْوَارِثُ وَنَكَل عَنِ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَسَابِقَتِهَا.
وَالْقَوْل بِحَبْسِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ أَحَدُ وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى فِي غَيْرِ الْمَال، أَوْ فِيمَا لاَ يُقْصَدُ بِهِ الْمَال (1) .
__________
(1) الْهِدَايَة وَنَتَائِج الأَْفْكَارِ 6 / 170، 8 / 388، 390، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 10 / 4742، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 12 / 49، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 8 / 360، وَالْمُغْنِي 9 / 239، 237، وَالْكَافِي 4 / 514 وَالْفُرُوع 6 / 478، وَالدُّسُوقِيّ 4 / 296
الصفحة 367