كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)

لأَِهْلِهَا، أُبَايِعُهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَالْجِهَادِ (1) .
وَبَعْضُهَا الآْخَرُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ بَاقِيَةٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، مِثْل مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا (2) ، وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتِل (3) ، وَمَا رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْهِجْرَةَ لاَ تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَادُ (4) .
9 - وَقَدِ اخْتَلَفَ طَرَائِقُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ،
__________
(1) حَدِيث: " مَضَتِ الْهِجْرَة لأَِهْلِهَا. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي 8 / 25 ط السَّلَفِيَّة) ، ومسلم (3 / 1487 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) ، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ
(2) حَدِيث: " لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَة حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَة. . . ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (3 / 7 - 8 ط حِمْص) ، وأحمد فِي الْمُسْنَدِ (4 / 99 ط الميمنية)
(3) حَدِيث: " لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَة مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتِل ". أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (1 / 192 ط الميمنية) ، وذكره الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (5 / 250 ط الْقُدْس) وَقَال: وَرِجَال أَحْمَدَ ثِقَات
(4) حَدِيث: " إِنَّ الْهِجْرَةَ لاَ تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَاد ". أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (4 / 62 ط الميمنية) ، وذكره الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (5 / 251 ط الْقُدْس) ، وَقَال: رِجَالُهُ رِجَال الصَّحِيحِ
وَتَأْوِيلُهَا عَلَى ثَلاَثِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ مَنْدُوبًا إِلَيْهَا، ثُمَّ فُرِضَتْ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ ارْتَفَعَ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ، وَعَادَ الأَْمْرُ فِيهَا إِلَى النَّدْبِ وَالاِسْتِحْبَابِ، فَهُمَا هِجْرَتَانِ: الْمُنْقَطِعَةُ هِيَ الْمَفْرُوضَةُ، وَالْبَاقِيَةُ هِيَ الْمَنْدُوبَةُ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْخَطَّابِيِّ (1) .
وَالثَّانِي: أَنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ارْتَفَعَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ؛ لأَِنَّ مَكَّةَ صَارَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ دَارَ إِسْلاَمٍ، وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ عَنْهَا قَبْل ذَلِكَ وَاجِبَةً؛ لِكَوْنِهَا مَسَاكِنَ أَهْل الشِّرْكِ، فَمَنْ حَصَل عَلَيْهَا فَازَ بِهَا وَانْفَرَدَ بِفَضْلِهَا دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَهَذَا هُوَ الْفَرْضُ الَّذِي سَقَطَ. أَمَّا الْهِجْرَةُ الْبَاقِيَةُ الدَّائِمَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهِيَ هِجْرَةُ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْكُفْرِ؛ إِذْ يَلْزَمُهُ أَنْ لاَ يُقِيمَ بِهَا حَيْثُ تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ، وَأَنْ يُهَاجِرَ وَيَلْحَقَ بِدَارِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ (2) ، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ لاَ يَحْرُمُ عَلَى
__________
(1) مَعَالِم السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ 3 / 352، ومرقاة الْمَفَاتِيح 4 / 182، والمبسوط لِلسَّرَخْسِيِّ 10 / 6
(2) شَرْح السُّنَّة لِلْبَغَوِيِّ 7 / 295، 10 / 373، ومرقاة الْمَفَاتِيح شَرْح مِشْكَاة الْمَصَابِيح لِلْمَلاَ عَلي الْقَارِّيّ 4 / 182، والمقدمات الْمُمَهِّدَات 2 / 153، وعارضة الأَْحْوَذِيّ 7 / 88، ونيل الأَْوْطَار 7 / 26، وشرح الأُْبِّيّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ 5 / 211، والنووي عَلَى مُسْلِمِ 13 / 8، وعمدة الْقَارِّيّ 11 / 317، وفتح الْبَارِي 6 / 39، 7 / 229، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 8 / 456

الصفحة 181