كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)
فِي دَارِ الْكُفْرِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الإِْقَامَةُ فِيهَا، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ إِنِ اسْتَطَاعَهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ فَهُوَ مَعْذُورٌ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ (1) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِ الْهِجْرَةِ فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَْرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (2) } ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُل عَلَى الْوُجُوبِ (3) .
وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُل مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ. قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَلِمَ؟ قَال: لاَ تَرَاءَى نَارَاهُمَا (4) أَيْ لاَ يَكُونُ بِمَوْضِعٍ يَرَى نَارَهُمْ
__________
(1) الْمُهَذَّب 2 / 227، وكشاف الْقِنَاع 3 / 38، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 94، والمبدع 3 / 313 وَمَا بَعْدَهَا، والمحرر 2 / 170، ومختصر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة لاِبْن تَيْمِيَّةَ ص 505، والهداية لأَِبِي الْخَطَّاب 1 / 112، وروضة الطَّالِبِينَ 10 / 282، ونهاية الْمُحْتَاج 8 / 78، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 269
(2) سُورَة النِّسَاء / 97
(3) الْمُغْنِي 8 / 457 ط الرِّيَاض
(4) حَدِيث: " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلّ مُسْلِم يُقِيمُ بَيْن أَظْهَرَ الْمُشْرِكِينَ. . . ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (3 / 104 ط حِمْص) ، والترمذي (4 / 155 ط الْحَلَبِيّ)
وَيَرَوْنَ نَارَهُ إِذَا أُوقِدَتْ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْقِيَامَ بِأَمْرِ الدِّينِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَالْهِجْرَةُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاجِبِ وَتَتِمَّتِهِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (1) } .
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ حَالَةً أُخْرَى لِهِجْرَةٍ لاَ تُوصَفُ بِوُجُوبٍ وَلاَ اسْتِحْبَابٍ، كَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْهِجْرَةِ إِمَّا لِمَرَضٍ أَوْ إِكْرَاهٍ عَلَى الإِْقَامَةِ أَوْ ضَعْفٍ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَشَبَهِهِمْ، فَهَذَا لاَ هِجْرَةَ عَلَيْهِ (2) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} .
الْقَوْل الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْخَطَّابِيِّ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْهِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، بَل هِيَ مَنْدُوبَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ الْهِجْرَةُ مِنْ أَرْضٍ يُهْجَرُ فِيهِ الْمَعْرُوفُ، وَيَشِيعُ
__________
(1) سُورَة النِّسَاء / 98، 99
(2) الْمُغْنِي 8 / 457، وأسنى الْمَطَالِب 4 / 204
الصفحة 184