كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)

بِهِ الْمُنْكَرُ أَوْ مِنْ أَرْضٍ أَصَابَ فِيهِ الذَّنْبَ وَارْتَكَبَ الأَْمْرَ الْفَظِيعَ (1) .
قَال الْمُلاَّ الْقَارِيُّ: إِنَّ الْهِجْرَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ الَّتِي كَانَتْ مَطْلُوبَةً عَلَى الأَْعْيَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ انْقَطَعَتْ، إِلاَّ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ بِسَبَبِ الْجِهَادِ أَوْ بِسَبَبِ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَالْفِرَارِ مِنْ دِيَارِ الْكُفْرِ أَوِ الْبِدْعَةِ أَوِ الْجَهْل أَوْ مِنَ الْفِتَنِ أَوْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ بَاقِيَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ (2) .
قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: اسْتَثْنَى فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ نَسْخِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ مَا إِذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ (3) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: قَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ الذَّهَابَ فِي الأَْرْضِ قِسْمَيْنِ: هَرَبًا وَطَلَبًا.
فَالأَْوَّل يَنْقَسِمُ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ:
الأَْوَّل: الْهِجْرَةُ وَهِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَيَّامِ
__________
(1) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح 4 / 182، والبحر الرَّائِق 1 / 368، والمبسوط لِلسَّرَخْسِيِّ 10 / 6، وشرح السِّيَر الْكَبِير 1 / 94 ط مَطْبَعَة الإِْعْلاَنَات الشَّرْقِيَّة، ومعالم السُّنَن لِلْخَطَّابِيِّ 3 / 352، والفروع لاِبْن مُفْلِح 6 / 182
(2) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح 4 / 182
(3) الْبَحْر الرَّائِق 1 / 368
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ مَفْرُوضَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ بَقِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَصَى، وَيُخْتَلَفُ فِي حَالِهِ.
الثَّانِي: الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضِ الْبِدْعَةِ. قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُول: لاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يُقِيمَ بِأَرْضٍ يُسَبُّ فِيهَا السَّلَفُ. قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْمُنْكَرَ إِذَا لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تُغَيِّرَهُ فَزُل عَنْهُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (1) } .
الثَّالِثُ: الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضٍ غَلَبَ عَلَيْهَا الْحَرَامُ، فَإِنَّ طَلَبَ الْحَلاَل فَرْضٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ.
الرَّابِعُ: الْفِرَارُ مِنَ الأَْذِيَّةِ فِي الْبَدَنِ، وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أَرْخَصَ فِيهِ، فَإِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ وَالْفِرَارِ بِنَفْسِهِ لِيُخَلِّصَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَحْذُورِ. وَأَوَّل مَنْ فَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَإِنَّهُ لَمَّا خَافَ مِنْ قَوْمِهِ قَال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي (2) } . وَقَال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (3) } ، وَقَال مُخْبِرًا
__________
(1) سُورَة الإِْنْعَام / 68
(2) سُورَة الْعَنْكَبُوتِ / 26
(3) سُورَة الصَّافَّات / 99

الصفحة 185