كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَسِيرَةً - كَانَ لَهَا أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِدُونِ مَحْرَمٍ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَقْصِدُ سَفَرًا، وَإِنَّمَا تَطْلُبُ الْخَلاَصَ حَتَّى لَوْ وَصَلَتْ إِلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَتُسَافِرَ (1) .
عِدَّةُ الْمُهَاجِرِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ.
12 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ: تُنْكَحُ الْمُهَاجِرَةُ الْحَائِل بِلاَ عِدَّةٍ، فَيَجُوزُ تَزَوُّجُ مَنْ هَاجَرَتْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً وَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا. أَمَّا الْحَامِل فَلاَ يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا حَتَّى تَضَعَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لأَِنَّهَا حُرَّةٌ فَارَقَتْ زَوْجَهَا بَعْدَ الإِْصَابَةِ، وَفُرْقَتُهَا وَقَعَتْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَتَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ كَالْمُطَلَّقَةِ فِي دَارِنَا، وَهَذَا لأَِنَّ الْعِدَّةَ حَقُّ الشَّرْعِ، كَيْلاَ يَجْتَمِعَ مَاءُ رَجُلَيْنِ فِي رَحِمِهَا وَذَلِكَ مُحْتَرَمٌ حَتَّى يَثْبُتَ نَسَبُهُ إِلَى سَنَتَيْنِ، بِخِلاَفِ الْمُطَلَّقَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهِيَ حَرْبِيَّةٌ ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَيْنَا حَيْثُ لاَ تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ وَقَعَ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْعِدَّةِ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُخَاطَبَةٍ، فَلاَ
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 3 / 174، والبحر الرَّائِق 2 / 338
يَنْقَلِبُ مُوجِبًا، وَلأَِبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ (1) } فَأَبَاحَ نِكَاحَ الْمُهَاجِرَةِ مُطْلَقًا فَتَقْيِيدُهُ بِمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ زِيَادَةٌ، الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (2) } ، فَمَنْ مَنَعَ فَقَدْ أَمْسَكَ وَلأَِنَّهَا فُرْقَةٌ وَقَعَتْ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ فَلاَ تُوجِبُ الْعِدَّةَ كَمَا فِي الْمَسْبِيَّةِ، وَهَذَا لأَِنَّ تَبَايُنَ الدَّارَيْنِ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ فَيَكُونُ مُنَافِيًا لأَِثَرِهِ، وَالْعِدَّةُ مِنْ أَثَرِهِ، وَلأَِنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ حَقًّا لِلزَّوْجِ وَلاَ حُرْمَةَ لِلْحَرْبِيِّ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ حَامِلاً فَلاَ نَقُول بِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ لاَ يَصِحُّ نِكَاحُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا؛ لأَِنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ مِنَ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ النِّكَاحَ كَأُمِّ الْوَلَدِ إِذَا حَبِلَتْ مِنْ مَوْلاَهَا لاَ يُزَوِّجُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا؛ لأَِنَّهُ لاَ حُرْمَةَ لِمَاءِ الْحَرْبِيِّ فَكَانَ كَالزَّانِي وَالأَْوَّل أَصَحُّ؛ لأَِنَّ نَسَبَهُ ثَابِتٌ، فَكَانَ الرَّحِمُ مَشْغُولاً بِحَقِّ الْحَمْل مِنَ الزِّنَا (3) .
__________
(1) سُورَة / 10
(2) سُورَة / 10
(3) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 2 / 177، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 2 / 392، وأحكام الْقُرْآن لِلْجَصَّاصِ ص 3 / 538 - 541
الصفحة 189