كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)

8 - وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ بِسَبَبِ الْجُرْحِ السَّابِقِ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجُرْحِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ، كَقَطْعِ الْيَدِ أَوِ الرِّجْل أَوِ الْمُوضِحَةِ مَثَلاً؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ مُنْفَرِدٌ عَنِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، فَيَسْتَقِرُّ وَلاَ يَتَغَيَّرُ بِمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ طَرَفٌ غَيْرُهُ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ آخَرُ لَزِمَ الأَْوَّل قِصَاصُ الطَّرَفِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْرِ الْجُرْحُ (1) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ عَلَى الْجَارِحِ؛ لأَِنَّ الْجِرَاحَةَ صَارَتْ نَفْسًا، وَالنَّفْسُ مُهْدَرَةٌ بِاتِّفَاقٍ، فَكَذَا الطَّرَفُ، وَلأَِنَّهُ صَارَ إِلَى مَا أَحَل دَمَهُ (2) .
قَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ قَطَعَ مُكَلَّفٌ طَرَفًا، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ الْمَقْطُوعُ وَمَاتَ مِنْ جِرَاحَةٍ فَلاَ قَوَدَ عَلَى الْقَاطِعِ فِي النَّفْسِ؛ لأَِنَّهَا نَفْسُ مُرْتَدٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَلاَ مَضْمُونٍ، بِدَلِيل مَا لَوْ قَطَعَ
__________
(1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 4 / 23، وأسنى الْمُطَالِب 4 / 19، والتاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش الْحَطَّاب 6 / 244 - 245
(2) الْمَرَاجِع السَّابِقَة، وكشاف الْقِنَاع 5 / 522، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 7 / 694 وَمَا بَعْدَهَا
طَرَفَ ذِمِّيٍّ فَصَارَ حَرْبِيًّا ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْقَاطِعِ الْمُكَلَّفِ الأَْقَل مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ أَوِ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ فَمَعَ الرِّدَّةِ أَوْلَى (1) .
وَإِلَى وُجُوبِ الأَْقَل مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ وَأَرْشِ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقْتَضِ الْجُرْحُ مَالاً وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ قِصَاصٌ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ وَجَبَ أَرْشُ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الدِّيَةِ، فَفِي قَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ دِيَتَانِ.
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْجُرْحَ مُهْدَرٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لأَِنَّ الْجِرَاحَةَ إِذَا سَرَتْ صَارَتْ قَتْلاً، وَصَارَتِ الأَْطْرَافُ تَابِعَةً لِلنَّفْسِ وَالنَّفْسُ مُهْدَرَةٌ فَكَذَلِكَ مَا يَتْبَعُهَا (2) .
9 - وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا طَرَأَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الْجُرْحِ، فَلَوْ طَرَأَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْل الإِْصَابَةِ فَلاَ ضَمَانَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) لأَِنَّهُ حِينَ جَنَى عَلَيْهِ كَانَ مُرْتَدًّا مُهْدَرَ الدَّمِ.
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 5 / 522
(2) أَسْنَى الْمَطَالِب شَرْح رَوْضِ الطَّالِبِ 4 / 19، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 23 - 24

الصفحة 200