كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)

وَلأَِنَّ تَجْوِيزَهُ لِغَيْرِهِ يَتَضَمَّنُ تَعْطِيل الْجِهَادِ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الإِْمَامِ (1) .
وَلأَِنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَةِ الإِْمَامَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالتَّبْلِيغِ، وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَكُل مَا تَصَرَّفَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِصِفَةِ الإِْمَامَةِ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَلأَِنَّ سَبَبَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِوَصْفِ الإِْمَامَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ (2) ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرُ الإِْمَامِ بِالْوِلاَيَةِ أَنْفَذَ، وَهُوَ عَلَى التَّدْبِيرِ وَالْحِرَاسَةِ أَقْدَرُ، فَإِنِ اسْتَنَابَ فِي عَقْدِهَا مِنْ أَمْرِهِ صَحَّ لأَِنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ رَأْيِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُبَاشِرَهَا بِنَفْسِهِ لأَِنَّهُ عَامُّ النَّظَرِ، فَلَمْ يَفْرُغْ لِمُبَاشَرَةِ كُل عَمَلٍ، فَإِنِ اسْتَنَابَ فِيهَا مَنْ فَوَّضَ عَقْدَهَا إِلَى رَأْيِهِ جَازَ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، وَكَانَ عَقْدُهَا مَنْسُوبًا إِلَى الْمُسْتَنَابِ الْمُبَاشِرِ، وَمِنْ قَبْلِهِ مَنْسُوبًا إِلَى الْمُسْتَنِيبِ الآْمِرِ، وَهُمَا فِي اللُّزُومِ سَوَاءٌ، وَلِخَبَرِ: إِنَّمَا الإِْمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَل مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ (3) ، وَقَال الْخَطَّابِيُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّ الإِْمَامَ هُوَ
__________
(1) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 427، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 305، والمغني 8 / 461 - 462، وجواهر الإِْكْلِيل 1 / 269
(2) الْفُرُوق للقرافي 1 / 206
(3) حَدِيث: " إِنَّمَا الإِْمَامُ جَنَّة. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح 6 / 116 - ط السَّلَفِيَّة) ، ومسلم (3 / 1471 - ط الْحَلَبِيّ) ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
الَّذِي يَعْقِدُ الْعَهْدَ وَالْهُدْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْل الشِّرْكِ، فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ صَلاَحًا وَهَادَنَهُمْ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيزُوا أَمَانَهُ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَمَّا وُلاَةُ الثُّغُورِ فَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ يَتَضَمَّنُ الْجِهَادَ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْقِدَ هُدْنَةً إِلاَّ قَدْرَ الاِسْتِرَاحَةِ فِي السَّنَةِ: وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَنَةً؛ لأَِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ فِي كُل سَنَةٍ.
وَفِيمَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَسَنَةٍ قَوْلاَنِ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ عَنِ الْجِهَادِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ هُدْنَةٍ فَكَانَ مَعَ الْهُدْنَةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.
وَإِنْ تَضَمَّنْ تَقْلِيدُ وَالِي الثُّغُورِ الْعَمَل بِرَأْيِهِ فِي الْجِهَادِ وَالْمُوَادَعَةِ جَازَ أَنْ يَعْقِدَ الْهُدْنَةَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا لِدُخُولِهَا فِي وِلاَيَتِهِ، وَالأَْوْلَى أَنْ يَسْتَأْذِنَ الإِْمَامَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِ انْعَقَدَتْ (2) .
هَذَا فِي مُهَادَنَةِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا أَوْ أَهْل إِقْلِيمٍ كَبِيرٍ، وَيَجُوزُ لِوَالِي الإِْقْلِيمِ الْمُهَادَنَةُ مَعَ أَهْل بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ فِي إِقْلِيمِهِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَكَأَنَّهُ مَأْذُونٌ.
__________
(1) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 427، والخطابي شَرْح سُنَنِ أَبِي دَاوُد 2 / 316
(2) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 427، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 304، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 260 - 261

الصفحة 208